الخميس، 26 سبتمبر 2019

«ماذا حدث للمصريين» في سبتمبر 2019؟!



 استقبلنا خريف هذا العام بتساقط أوراق (الصمت) التي سترت عورات كثيرة في السنوات الأخيرة، فانكشف المستور وعشنا نتجادل في المحظور، يهيمن على فضاءنا الإعلامي الصخب والعبث، وتحكمه الأكاذيب والسفالة والتدني الأخلاقي، ويتصدر المشهد حفنة من الآفاقيين، يستوي في هذا الإعلام التقليدي (فضائيات ومواقع وصحف) مع الغريم والمنافسالمستجد (السوشيال ميديا)، لا أحاديث إلا(هلاوس) سياسية وضلالات فكرية وتخاريف إعلامية، حتى ظن أي عاقل يتابع المشهد عن بعد، أن مصر تحولت في عشية وضحاها إلى (مستشفى للمجانين).
الأحداث تداعت بسرعة غير مفهومة والأوضاع الساكنة منذ سنوات تفجرت بشراسة غير مبررة، فارتعد الشارع المصري واستدعتذاكرة بسطاء المصريين المشاعر السلبية التي عاشوها في سنوات ما سمي «الربيع العربي»، وارتبك الجميع وكأننا اكتشفنا فجأة أن مصر في «حالة حرب».
سأقتبس عنواناً قديماً لكاتب ومفكر كبير صاغه في سؤال معبر جدا عن اللحظة، أما الكاتب فهو دكتور جلال أمين، وسؤاله وعنوان كتابه كان: «ماذا حدث للمصريين؟» والذي صدرت طبعته الأولى عن دار الشروق عام 1998.
ما الذي حدث في مصر، وما جري للمصريين(شعب وسلطة) في سبتمبر 2019؟؟ 
هذا هو سؤالنا وهذه حالتنا، وهو أمر يستدعى جهد بحثي جبار من علماء الاجتماع السياسي ليجيبونا وفق منهجهم العلمي، كيف تدهور حال المصري (أخلاقه وقيمه وسلوكه) خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى أصبحت أذنيه تستسيغ قاذورات «المقاول المارق» وتتفاعل معها، وتقبل عقله تقيؤات «أيقونة يناير» وكأنه ينطق بالدر؟، كيف بات من اليسير على المواطن المتعلم أن يسقط فريسة لفخ الأكاذيب المستمرة من كل وسائل الإعلام، ويغرق تائهاً لا يدرك الحقيقة وهي بازغة ومشرقة أمام الأعين، وإن كان كتاب الدكتور جلال أمين قد رصد ما حدث في المجتمع المصري في نصف قرن (1945 – 1995)، فإن الحاجة الآن أصبحت ملحة لنعرف تفصيلاً ما حدث للمجتمع خلال عشرية الربيع الملعون (2010- 2020) الذي لاح خريفه وبانت تخاريفه.
للأسف لقد أفقدتنا هذه السنوات العشر قدرتنا على التمييز فضاع بيننا الحق، فضللنا عن طريقه، وباتت الكبائر مباحة وسهلة، فسمعنا للشيطان واستجبنا له وتظاهرنا لأجله، فمنحنا صداقته الدائمة، لهذا تداولنا الرجس في يسر دون أن تستيقظ ضمائرنا وندرك كارثة ما نفعله في مجتمعنا والخراب الذي ينتظر أبنائنا.
لا شك أن هناك أمر كبير حدث بمصر في سبتمبر 2019.. سنختلف في وصفه أو تسميته لكننا حتما سنتفق على أسبابه وأهدافه.. أدرك وغيري كثيرون من أهل الرأى وأصحاب الفكر المعتدل من المهمومين بالشأن العام، إننا نمر بمحنة سياسية ومنعطف خطير، إننا أمام حالة احتقان سياسي واجتماعي واقتصادي مزمنة، سهلت على أبالسة (الفيديوهات) العابرة للحدود التسلل بين ثنايا العقل الجمعي المصري، في مرحلة زادت فيها الأعباء على كاهل الأسرة المصرية في السنوات الأخيرة، (كما تزامنت فيديوهات الإثارة مع بداية العام الدراسي والارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات العملية التعليمية بالإضافة إلى الملابس والأحذية والحقائب وخلافه من احتياجات أساسية لطلاب المدارس)، ولن نخشى أن نقول أن هناك أخطاء ارتكبت أوصلتنا مع تردي أوضاع المصريين الأخلاقية والمعنوية، إلى هذا المشهد الهزلي الذي دفعنا إلى حافة الأزمة.
ومن الحكمة تدارك الأزمة بصراحة وذكاء وهدوء كي لا تنفرط الأمور وندخل في متاهة جديدة لا يحتملها الحاضر الذي نحياه في مصر ولا يقدر على تسديد فواتيرها الشعب المصري الذي اسند ظهره إلى الحائط الأخير.
ثقتي كبيرة في مصر.. شعبها وجيشها.. وثقتي أكبر بأن الله خير حافظاً.

 نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 25 سبتمبر 2019

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

مؤتمر «الضرورة»




ارتبط مصطلح «الضرورة» بالرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أن وصفه به الكاتب الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل في أعقاب 30 يونيو 2013 وما تبعها من أحداث سياسية صاخبة وعمليات إرهابية وتخريبية وقفت وراءها جماعة الإخوان «المحظورة»، دفعت الوطن إلى حافة الهاوية ورأى وقتها الكاتب الكبير ومثله عشرات من الكتاب والمثقفين ومئات من السياسيين وآلاف من الشباب وملايين من المصريين، أن السيسي «الرئيس الضرورة» بمعنى أنه المرشح الأمثل لتولي حكم مصر في هذه المرحلة من تاريخها، فألتف حوله الشعب بعد أن خاض معركة انتزاع مصر من براثن الظلامية والتخلف التي مثلها تيارات العنف الديني وفي مقدمتها الإخوان.
ويستمر الإجماع الشعبي الذي تنوعت أشكاله وفعالياته في مساندة ودعم الرئيس والتأكيد على الثقة المستمرة فيه خلال السنوات الخمس الماضية، ورغم ما تواجهه «مصر- السيسي» من حروب شرسة من قوى الشر المتحالفة ضد مصر والتي تأمل في إيقاف مسيرة التنمية وعجلة التقدم، وقد بلغت  الحرب أشدها خلال الأسابيع الأخيرة، وصدر القرار الحكيم باستدعاء الشباب لمواجهة الخطر المحدق بالوطن، فكان مؤتمر «الضرورة».. المؤتمر الوطني للشباب الذي استضافه مركز المنارة للمؤتمرات قبل أيام.
وتكمن أهمية #المؤتمر_الوطني_الثامن_للشباب في توقيته ومغزاه.. حيث وقف شباب مصر ممن تأهلوا في البرنامج الرئاسي والأكاديمية الوطنية (وهم نماذج فريدة لمرحلة جديدة من تاريخ مصر) خلف الرئيس والدولة في مواجهة علمية وعملية مع فساد وأخطاء الماضي وأكاذيبه مجسدة في مقاول وممثل فاشل يمكن وصفه بأنه نموذج حي  لفساد عصر مبارك ودولته ونظامه، وآخر وصف بأنه أيقونة «يناير» الحركة الثورية التي خرجت ضد مشروع توريث جمال مبارك.
إن مؤتمر المنارة (المفاجئ) هو استدعاء الضرورة لهذا الجيل من الشباب ليمنع محاولات التخريب والتدمير التي تستهدف مصر تحت ستار ما أصطلح على تسميته بحروب الجيل الرابع.. والتي تستعين في موقعة «الفيديوهات» بنموذجين فاشلين.. يقف وراءهما قائمة من المستفيدين، وهي قائمة تطول وتتضخم مع الأيام لأسباب وعوامل كثيرة، بعضها قدري والكثير منها بشري يمكن تداركه وهذا أمر شرحه يطول ويستحق حديث منفصل ومفسر
أدرك ما حققته «فيديوهات سبتمبر» من صدى في نفوس البعض، في ظل أجواء ضبابية وغير مريحة تهيمن على المشهد العام، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتحرى ما يقال ونجتهد في البحث عن مصداقية ما يبث علينا من محتوى، فما شاهدناه هي تخاريف لا ترتقي إلى مرحلة التسلية، فهي أحاديث مدمنين أدنى من أن يقبلها عقل طفل ساذج..  وما حوته من قاذورات مكانها هو سلة مهملات التاريخ، كلامي قبل أن يكون دفاعا ودعما لوطن ودولة وجيش ورئيس، هو دفاع عن العقل المصري الذي يستحق الحماية والوقاية والتحصين من هذا السخف وهذه الترهات، وهذا ما تم مناقشته في جلسات المؤتمر الوطني الشباب في نسخته الثامنة، وخاصة الجلسة الثانية التي جاءت تحت عنوان: «تأثير نشر الأكاذيب على الدولة في ضوء حروب الجيل الرابع».
ومن أهم ما قاله الرئيس السيسي خلال هذه الجلسة: «الجيش مؤسسة مغلقة.. حساسة جدا للثقة.. كل الأجهزة قالولي لو سمحت ما تتكلمش وكادوا يبوسوا ايديا.. كل ست كبيرة بتدعي لي اسيبها ازاي محتارة»، وبالفعل تطرق الرئيس لبعض ما أشيع وأثارته الفيديوهات الكاذبة، مقسماً بالله أنه أمين على الشعب ومصالحه، وهذه الكلمات الصادقة العفوية البسيطة وصلت إلى قلوب كل المتابعين وأنارت بصيرة المخدوعين، وهدأت من روع المذعورين، فكسب الرئيس رهانه على علاقته القوية والمباشرة مع المصريين.
حفظ الله مصر.

نشر في صحيفة "صوت الأزهر" بتاريخ 18 سبتمبر 2019


السبت، 31 أغسطس 2019

فعل «الهجرة» وأثره في المشروع الإسلامي




تمثل «الهجرة» حجر الأساس لمنجز المشروع الإسلامي الذي تحقق واستمر طوال 1441 عام، تبلورت الفكرة واختمرت واختبرها النبي في «هجرة الحبشة» قبل أن تصبح «يثرب» هي الملاذ والمستقر، لتصبح «المدينة المنورة» بسطوع شمس نبينا محمد عليه أفضل صلاة وسلام وصحبه أبي بكر على أرضها بعد رحلة شاقة نجيا فيها من الهلاك، بفضل الله الذي سترهما وحفظهما في غار حراء بينما رهط من كفار قريش تصطك سيوفهم على بابه، بعد أن أغشاهم المولى عز وجل فلم يبصروه، ليصل سالما إلى طيبة الطيبة بأهلها من «الأنصار»، ويشرق بين ربوعها فجر الإسلام، لتصبح الهجرة هي «فعل» البداية والخطوة الأولى لبناء دولة الإسلام التي شيدها الرسول وأتمها من بعده خلفائه الراشدون.
والهجرة تمثل نموذجاً مثالياً لتأكيد حيوية الفكر الإسلامي وتفاعلية الثقافة المحمدية (الربانية) القائمة على المنهج الإيجابي، إن التعاليم الربانية التي نقلها جبريل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام في آيات من الذكر الحكيم وفي وحي مقدس ترجمت جميعها إلى عقائد وعبادات، تتفق في مجملها على تحفيز الإنسان المسلم على الحركة ومكافحة السكون والاستسلام. ومثلت فكرة «الهجرة» قمة التحرك الإيجابي للتحرر من الظلم والعذاب والاضطهاد، بهدف إنقاذ الدعوة الإسلامية وانطلاقها، فكانت هجرة النبي البداية الحقيقية للمشروع الإسلامي، إنها لحظة الفعل الثوري للتخلص من عبودية المكان وذل الموطن وأسر الامتلاك، لقد ترك الرسول وصحبه المسلمون وطنهم (مكة) وأهلهم وبيوتهم وأملاكهم، ليفروا بدعوتهم وينقذوا نبيهم ويحفظوا إسلامهم، ليحق عليهم وعد الله في كتابه الحكيم: « وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، سورة النحل.
ولا أدل على أهمية حدث «الهجرة» ومحوريته أكثر من اختياره لبدء التقويم الإسلامي (الهجري)، الذي يحدد خارطة مواقيت العبادات الأساسية في الإسلام ويرسم ملامح الحياة بالأيام والشهور والسنوات، وهو التقويم الذي أنشأ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وجعل من هجرة رسول من مكة إلى المدينة في 12 ربیع الأول (24 سبتمبر عام 622 ميلادياً) مرجعاً لأول سنة فيه، وهو يرتكز في الأساس على الميقات القمري الذي أمر الله في القرآن بإتباعه وفق ما ذكر تفصيلا في سورة التوبة.
ومن أبلغ ما وصفت به، ما ذكره الدكتور مصطفى محمود في إحدى حلقات برنامجه الشهير (العلم والإيمان)، والتي خصصها للحديث عن الهجرة حيث قال: «الهجرة حياة.. ومغالبة للطبع وكبح لنوازع الكسل والاستسلام.. وهبة روحية مضادة للقصور الذاتي المادي للإنسان.. ثورة على المألوف.. الهجرة بالنسبة للإسلام نقلة من حال إلي حال..  فقد كان قبل الهجرة «إسلام سلبي» خلال 13 سنة، وبعد الهجرة تحول إلى الضد فأصبح موقفه إيجابي من الباطل، فإذا حورب يحارب.. وإذا جوبه بالقوة يصد بقوة أكبر.. وبعد الهجرة بدأ عصر الغزوات ثم الفتوحات.. فكانت الهجرة هي بداية إرادة التغيير».
وتختصر الهجرة دروسا وعظات كثيرة، علينا أن نسترجعها في كل مناسبة لعلها تنفع الأجيال الجديدة من الشباب وتدفعهم إلى التغيير الإيجابي، فالهجرة هي سنة كونية ضربها الله لنا كي تحفزنا لرفض الاستسلام للظلم أو الهزيمة أو الفشل، وإنه إذا ضاقت بنا السبل يجب أن تهب أرواحنا وتسحبنا إلى فضاءات جديدة وتجارب مختلفة ربما نحصد ما لا نتوقع، وتتبدل مصائرنا نحو الأفضل.
كل عام هجري وأنتم بخير.

 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 28 أغسطس2019


الأحد، 4 أغسطس 2019

المحبة في الله



أدهشتني وأسعدتني حالة الاحتفاء والاحتضان التي استقبل بها فضاء «السوشيال ميديا» في العالم العربي قصة حب الفنان المصري القدير رشوان توفيق وزوجته التي غادرت الحياة قبل أيام، لتسطر بموتها فصلا جديدا من «أسطورة حب» رعاها الله وباركها فأثمرت هذه السيرة العطرة التي جعلت كثيرين يتأملونها ويبحثون عن تفاصيلها وكلهم أمل أن يمن الله عليهم بقصة جميلة مشابهة تربطهم مع من يحبون.
في السادس عشر من يوليو 2019 أعلن خبر وفاة الزوجة، وتناقلت وسائل الإعلام صور الفنان الزوج وهو يبكي فقيدته عقب الصلاة عليها بمسجد السيدة نفيسة، واستدعي الجمهور على الفور حوارات سابقة للفنان الأصيل رشوان توفيق وهو يتحدث بكل المحبة عن زوجته أثناء فترة مرضها العضال التي استمرت ثلاث سنوات ظل خلالها رفيقا وجليسا لها وحريصا اشد الحرص على خدمتها وراحتها، واختزل الحاج رشوان (كما يلقب في الوسط الفني) قصته مع زوجته التي تزوجها وهي في سن 17 عام ليستمر زواجهما وحبهما أكثر من 55 عام، قائلاً: «أراد الرحمن أن يحفظني بزواجي منها».
يتلقف المجتمع بتعطش ولهفة قصص الحب النادرة التي يمتد فيها الحب ويتصل ويتبارى فيها المحبين (رغم كبر سنهم) في التعبير عن عشقهم واهتمامهم بأحبابهم، ونستشعر هذا العطش عندما ترى من تكتب عبر حسابها على «فيس بوك» راجية الله أن يرزقها «حب النبي للسيدة عائشة»، وتجد آخر يتوسل إلى الله أن يرزقه «الزوجة الصالحة»، كما أن متابعة التعليقات على فيديوهات أو صور الحب تؤكد هذا التعطش وتعكس حجم الأزمة.
الأزمة التي لن يلخصها أن تقول أننا نحيا في عصر أنتشر فيه الطلاق، وأصبح هو الأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة،ـ رغم أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد نفى ما تردد حول تصدر مصر المرتبة الأولى عالمياً في الطلاق، مؤكدا أن  معدل الطلاق في مصر بلغ 2.1 لكل ألف من السكان لعام 2017، وهذا المعدل من المعدلات العادية على مستوى العالم، لكننا لا يمكن أن نخفي تفشى الطلاق في المجتمع المصري في السنوات العشر الأخيرة، وانتشار ظواهر مثل الانفصال العاطفي بين آلاف الأزواج، ونفور الأجيال الجديدة من «الجواز» ولجوئهم إلى علاقات مشوهة تفسد معنى «مشروع الزواج» وتفقده قيمته ومعناه، وتجعله أبعد ما يكون عن مساره القويم الذي حدد له المولى عز وجل إطارا شرعيا يغلفه المودة والرحمة ويزاوجهما في محبة الله، لتكن هي العلاقة الأصل التي بارك فيها الله استمرارية الحياة وبقاء الجنس البشري.
ويحلو للبعض تجريد علاقة الرجل والمرأة من إطارها الشرعي، ويتفننوا في تقديم تفسيرات شيطانية للحب، كلها وصلت بهم إلى الفشل والانهيار والانتحار، لقد زاد الشقاق بين «أدم وحواء» في زماننا لأنهما أدمنا الشجرة المحرمة، ورفضا أن يتعلما من درس أول «أدم وحواء» ويدركا أن المحبة لله وحده لا شريك له.
إنها معادلة ربانية لأهم علاقة إنسانية، تتصل المحبة بفضل الله الذي يؤلف بين القلوب، ويربط بينها برباط مقدس ويظلها بظله في الدنيا والآخرة.
رزقنا الله وإياكم «المحبة في الله».


 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 31 يوليو2019




الأربعاء، 12 يونيو 2019

الممر.. غير المقدس



استشعرت خلال الأيام الماضية حالة «شاذة» في التعامل النقدي والإعلامي مع فيلم سينمائي يعرض في سباق «أفلام العيد» الموسمي، والذي بدأ قبل أسبوع مع أول أيام عيد الفطر المبارك. الفيلم هو «الممر» الذي كتبه وأخرجه المبدع شريف عرفة، والذي يصنف تحت فئة «الأفلام الحربية» وهو النوع الأقل تواجدا في تاريخ السينما المصرية الذي تجاوز (6000 فيلم) في أكثر من مائة عام، وترجع قلة الأفلام العسكرية لاحتياجها إلي ميزانيات ضخمة وإمكانيات تقنية وتكنولوجية مكلفة، وهو ما يصعب توافره في «بلد فقير».

وتسجل ذاكرة السينما المصرية كثافة في الإنتاج وصلت إلي 6 أفلام روائية  (متواضعة فنيا وإنتاجيا) تم عرضهم في منتصف السبعينات من القرن الماضي (ما بين عامي 1974 و1978)، يمكن وصفهم مجازا بـ «أفلام حربية»، تناولت بطولات الجيش المصري عقب نكسة يونية وخلال حرب الاستنزاف  ثم رصدت معجزة النصر في أكتوبر 1973،  وقائمة  الأفلام تتضمن: «الرصاصة لا تزال في جيبي» و«بدور» و«أغنية على الممر» و«أبناء الصمت» و«حتى أخر العمر» و«العمر لحظة»، انضم إليهم 4 أفلام أخرى في عهد مبارك: «الطريق إلى إيلات» و«حكايات الغريب» و«حائط البطولات» و«السادات».

لهذا لا أخفي سعادتي بنجاح «الممر» ومستواه الفني الفريد، عكس ما قدم من إنتاج هزيل في الماضي فشل في تجسيد حقيقي لقدرات العسكرية المصرية في الفترة من 1967 إلى 1973، وقد حصل الفيلم على المركز الثاني في سباق العيد محققا 14 مليون جنيه في أسبوع عرضه الأول. وظني أن نجاح الفيلم يعد حافزا مثاليا لإنتاج المزيد من الأفلام العسكرية وتطوير مستواها في المستقبل، فمن حقنا أن نحلم بأن تنافس أفلامنا الحربية (وغيرها) في مهرجانات دولية وتحصد إحدى الجوائز الرفيعة في «كان» أو «البندقية» أو «برلين» أو حتى في مهرجان القاهرة السينمائي، لا مبالغة في هذا بعد ما رأيناه من قدرات فنية مبهرة قدمها رجال «الممر»  البواسل بقيادة مخرجه القدير وبدعم سخي ومستنير من الأجهزة المعنية.

لكن ما يعوق هذا التطور (في السينما وكافة مجالات الفن والإعلام) ويقف حاجزا أمام الحلم، هو ما استشعرته من وجود اتجاه لفرض  القداسة على فيلم «الممر» وتنزيهه عن كل نقص، وعدم الترحيب بأي نقد موجه له، وإرهاب كل محاولة نقاش موضوعي حول الفيلم، بإصطناع طوفان من الإطراء الإعلامي المبالغ ، يجعل أي «ناقد» للفيلم في مرمى النيران (مَلُومًا مَّحْسُورًا).

لا شك أن الفيلم هو الأفضل في قائمة الأفلام العسكرية المصرية، لكن هذا  لن يمنعني من قول: «أن السيناريو سيء»، ولا يرتقي لمستوى العناصر الفنية الأخرى وفي مقدمتها التمثيل والموسيقى التصويرية والتصوير والإخراج،  كما أن تناول مبررات «نكسة يونية» وفق الرواية الإسرائيلية في بداية الفيلم (كي يبدو فيلما محايدا) يجعل جمهور المشاهدين وخاصة الأطفال والشباب لا يتعاطفون مع  بلدهم، فالفيلم يشعرك أن مصر هي التي تحرشت بإسرائيل وأشعلت الحرب، ويركز الفيلم أيضا في دقائقه الأولى على التصعيد المصري، منطلقا من مشهد لاجتماع قيادات إسرائيلية ترصد وتحلل السيدة أم كلثوم وهي تشدو بأغنيتها الوطنية «راجعين بقوة السلاح» التي كتب كلماتها صلاح جاهين ولحنها رياض السنباطي وغنتها كوكب الشرق في الأول من يونيو عام 1967، وكلمات الأغنية تحرض على الحرب ويظهر في التصوير «ملقن» يجلس خلف سيدة الغناء العربي ربما للمرة الأولى في تاريخها الغنائي  وهو ما ينتبه له الإسرائيليين ويبشرهم بعدم (جاهزية) المصريين.. ويبشرنا بأن الفيلم ينوي إيلامنا قبل أن يسعدنا ببطولة أبناء جيشنا. ورغم ذلك يحسب للفيلم أنه نشط ذاكرة المصريين وثبت في وجدانهم الجمعي أن عدوهم الحقيقي هو.. إسرائيل.

وأخيرا ما هو مبرر «أرجزة» الصحفي في «الممر» وهي الشخصية التي جسدها الموهوب أحمد رزق ممثلا لمهنة الصحافة العريقة في هذه الملحمة الوطنية، وما سر اختيار اسم «إحسان» لهذا (الأرجوز)، وهو الأسم الذي عرفنا به واحد من أبرز أساتذة المهنة وابائها المؤسسين، أستاذنا الراحل إحسان عبد القدوس؟!. أتفهم حق المخرج في خلق شخوص عمله كما يريد ويتخيل، لكن لا أظن أن حريته مطلقة في عمل ضخم يخلد صفحة من أنصع صفحات التاريخ المصري الحديث.



نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 12 يونية 2019


دراما «الاستروكس»



لا يحمل العنوان أي قدر من المبالغة، فما عرضته شاشات الفضائيات المصرية وقنوات التليفزيون الأرضية خلال الشهر الكريم (وهو إنتاج درامي يعاد عرضه طوال العام)، يمثل خطر على المجتمع المصري لا يقل عن خطورة «الاستروكس» أشرس أنواع المخدرات وأكثرها تدميرا.

وبين الدراما المصرية و«الاستروكس» أوجه شبه كثيرة ومساحات تلاقي تتزايد كل عام، فكلاهما يقوم بعملية تسطيح للعقل وتغيبه عن واقعه وقضاياه وتطلعاته.

وتحطم دراما «الاستروكس» القيم والاخلاقيات التي تربينا عليها وأعتقدنا لسنوات أنها «مثل عليا»، فتهدم العلاقات الاسرية وتروج للخطيئة والعنف وتشوه أي قدوة، وتسخر من التاريخ وتسفه كل قديم وأصيل.

المفارقة أن أكثر من عمل درامي يعرض هذا العام، يتعرض لمشكلة مخدر «الاستروكس»  بدعوى علاج المشكلة والتحذير من مخاطرها، لكنه يقدم (بغباء) شرح تفصيلي لكل شىء عن هذا المخدر، بداية من تصنيعه والمواد المستخدمة في ذلك وكيفية الحصول عليها، وحتى طرق تسويقه وبيعه، مقدما مبررات عاطفية ساذجة لتعاطيه أو التورط في الاتجار فيه، وكأننا أمام برنامج تعليمي وتثقيفي وترويجي يستهدف المزيد من الأعضاء لينضموا لنادي «الاستروكس».

ودراما هذا العام في معظمها تقدم نماذج مصرية مشوهة، تؤصل لأفكار هادمة، منها على سبيل المثال: أن الشر ينتصر والخير ضعيف مهزوم، وأن النجاح لا يتحقق بالجهد بل بالحظ أو الفلهوة أو الفساد. وإذا توقفنا أمام ما يسمى بـ «الدراما الكوميدية» سنجد كوارث بالجملة، فكلها أعمال تستحق أن يحاكم صناعها بتهمة إهدار المال، وتقديم محتوى يدمر المجتمع.

إن الدراما هي اكثر المحتويات الاعلامية تأثيرا على المشاهد بما تقدمه من قصص مثيرة تتسلل إلى عقله وتخترق وجدانه، والخطورة تحدث إذا كانت هذه الدراما فاسدة، يتحول المشاهد فورا إلى «متعاطي»ـ يغيب عن الوعي تدريجيا ويصبح مخدر درامياً، فيسهل تدجينه وغسل مخه.

إننا نخوض حرب شرسة مع قوى الشر في العالم، والدراما (والأداب والفنون) هي السلاح الرئيسي في هذه الحرب، نظرة على ما تقدمه منصات العرض التليفزيوني العالمية وفي مقدمتها (Netflix) التي استحوذت على اهتمام المشاهدين في العالم العربي مؤخراً، يجعلنا ندرك حجم الكارثة التي تنتظرنا في المستقبل، وتمنيت ومعي كثيرين أن تقدم شركتنا الوطنية المحتكرة لسوق الدراما إنتاجاً يفيد المجتمع ويخدمه وينميه، وقبل ذلك يحصنه من سحر الدراما الغربية وآثارها المرعبة.

في ديسمبر الماضي، نظمت كلية الإعلام بالجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات، مؤتمرها العلمي الثالث تحت عنوان: «الدراما العربية وقضايا الهوية»، برئاسة الدكتور سامي الشريف عميد الكلية، وأنقل لكم أبرز ما جاء في توصيات المؤتمر ربما  تجد من يقرأها ويتدخل لإنقاذ صناعة حيوية تنهار اقتصاديا واخلاقيا:

1- التحرك الجاد من جانب المسئولين لإعادة وتفعيل دور الدولة في إصلاح أوضاع صناعة الدراما، وإيجاد مرجعية عليا لصناعة الدراما تتولى وضع السياسات الإنتاجية بجوانبها المختلفة الكمية والنوعية و الحرفية والرقابية والتوزيعية والبثية.

2- إذكاء روح العمل الجماعي في المجالات المختلفة لصناعة الدراما لمواجهة ظاهرتي الإحتكار الإنتاجي والبطولات الفردية، والتوجه نحو الإنتاج الجماعي والبطولات الجماعية.

3- بذل الجهود المكثفة لمواجهة سطوة الإعلان على الإعلام.

4- توجيه مزيدٍ من الاهتمام للإنتاج الدرامي الذي يرسخ قيم الإنتماء الوطني والمشاركة السياسية، و يدعم ملامح ومقومات الهوية الوطنية والقومية، ويحسن الصورة الذهنية عن مصر في محيطها العربي، ويسهم في مواجهة الآثار السلبية للغزو الثقافي والتطرف والعنف والتحيز والتمييز، وما تحمله الدراما الأجنبية المترجمة والمدبلجة من رسائل.

5- دعوة المؤسسات التربوية والإجتماعية للتواصل مع وسائل الإعلام وجهات الإنتاج لتبادل الرؤى بشأن تقييم الإنتاج الدرامي، وتفعيل دور الدراما في التنشئة الإجتماعية، والإرتقاء بالذوق العام وتحسين جودة الحياة.

6- مناشدة وسائل الإعلام وجهات الإنتاج الدرامي بضرورة المتابعة والاستفادة مما تنشره الصحافة الفنية وما تقدمه مواقع التواصل الإجتماعى من نقد وتقييم لما يُذاع من أعمالٍ درامية، وذلك لتحقيق المواءمة والتوافق مع متطلبات الجمهور، وما يقبله الذوق الاجتماعي العام.

هذا جهد بحثي ومناقشات علمية جرت ما بين متخصصين في الإعلام، وهناك عشرات مثيلة لها حبيسة الأدارج تتضمن خطط وروىء معتبرة للنهوض بالاعلام والدراما، تبحث عن أيادي تحررها من محبسها وعن عقول تستوعبها وتتفاعل معها وتنفذ بعض ما جاء فيها، لعلنا ننقذ المجتمع من هذا «الاستروكس» الدرامي.......... والإعلامي.

وكل عام وأنتم بخير.


 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 29 مايو2019




الخميس، 28 مارس 2019

وعد ترامب باطل.. الجولان عربية



نعم ضاعت الجولان، مثلما ضاعت القدس العام الماضي، وقبلهما فلسطين وسوريا وليبيا واليمن وأراضي عربية وإسلامية كثيرة، فنحن العرب المسلمون نحمل على أكتافنا تاريخاً طويلاً وممتداً من السقوط والضياع، ربما يمتد إلى الوجع الأعظم.. ضياع الإندلس وسقوط غرناطة عام 1492.
نعم ضاعت الجولان، عندما راهن أسد سوريا على جيشه وقوته وقدرته في تحريرها بالقوة، رافضا أن يضع يده في يد الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ليستعيدا الاراضي العربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بالسلام، بعد أن نجحا معا في زلزلة هذا الإحتلال الغاشم في أكتوبر 1973، بنصر عزيز وغالي على قلوب المصريين والسوريين، ولكن ضاعت قيمته بالنسبة للجولان، بينما نجحت مصر في استعادة سيناء بعد معركة دبلوماسية ضارية (دوليا وعربيا) لا تقل عن شراسة معارك السلاح التي خاضتها مصر من اجل استعادة الاراضي العربية التي سقطت، لتتساقط معها دموعنا وتتضاعف أحزاننا على ضياع أرض عربية جديدة، ورغم تدارك الأسد الأب لخطأ السبعينات، وعودته مضطرا في التسعينات إلى مائدة مفاوضات السلام، لكن القطار كان قد مضى، وتعنتت إسرائيل وأجهضت أي أمل سوري في استرداد الجولان بالسلام.
حتى أستنسخ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تجربة وزير الخارجيّة البريطاني آرثر بلفور (1916: 1919) والذي أرسل رسالته الشهيرة أو إعلانه الذي سمي لاحقا «وعد بلفور» في 2 نوفمبر عام 1917، إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد أحد أبرز وجهاء المجتمع اليهودي البريطاني، والذي تضمن وعدا بريطانيا  بدعم تأسيس «وطن قوميّ للشعب اليهوديّ» في فلسطين.
وعلى غرار الوعد الجائر، الذي أعطى فيه بلفور «ما لا يملك لمن لا يستحق»، يكررها ترامب من جديد بعد قرن من الزمان، ويسلم  رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، مرسوما أمريكيا يعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان.
وكانت مرتفعات الجولان قبل هذا التاريخ المشئوم (25 مارس 2019)، أرضا محتلة من قبل إسرائيل وفق قرارات الأمم المتحدة، وكان العدو الصهيوني قد أعلن عام 1981 (من جانب واحد) ضم الجولان وهي الخطوة التي لم تحظ باعتراف دولي (وقتها).
وتقع الجولان في بلاد الشام بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، وتسمى أحيانًا باسم «الهضبة السورية»، خاصة في اللغة العبرية واللغات الأوروبية، وتطل الهضبة على بحيرة طبرية ومرج الحولة في الجليل، أما شرقًا فيشكل وادي الرقاد الممتد من الشمال بالقرب من طرنجة  باتجاه الجنوب حتى مصبه في نهر اليرموك حداً عرف بأنه يفصل بين الجولان وبين سهول حوران وريف دمشق. وتبعد الجولان 60 كم إلى الغرب من مدينة دمشق. وتقدر المساحة الإجمالية لها بـ 1860 كم2، وتمتد على مسافة 74 كم من الشمال إلى الجنوب دون أن يتجاوز أقصى عرض لها 27 كم، وتعتبر الهضبة أرضا زراعية خصبة، كما أنها موردا مهما من موارد المياه في المنطقة التي تعاني أصلا شحا كبيرا في المياه، ويوجد بها 30 مستوطنة إسرائيلية يعيش فيها نحو 20 ألف مستوطن. كما يعيش فيها نحو 20 ألف سوري أغلبهم من طائفة الموحدين الدروز.
والمرسوم الأميركي الغادر لا يضيف جديدا على الواقع القائم في الجولان، لكنه يخدم في المقام الأول كل من ترامب ونتنياهو سياسيا، فكلاهما ينتظره معركة انتخابية هامة، وتخضع الجولان تحت السيادة الاسرائيلية بحكم حقائق القوة، وتنتمي تاريخيا إلى سوريا، التي كادت أن تمحى من خرائط الجغرافيا في السنوات الثماني الماضية، لولا عناية الله التي أنقذت بلاد الشام وأهله وأركان  دولته.
ما يقلقنا من هذا المرسوم أو وثيقة السيادة أو الوعد الباطل، أنه يمهد الطريق لقرارات أمريكية آخرى تحدد مصير المنطقة وشعوبها، يأتي في مقدمتها ما يسمي بـ«صفقة القرن»، والتي لا يعلم أحد حدودها أو بنودها ويقال أنها تبشر بمرحلة جديدة في العلاقات العربية الاسرائيلية وتقضي على المشكلة الفلسطينية، ويشاع أيضا أنها ستتم بمباركة وموافقة أطراف عربية فاعلة في المنطقة، ويبدو أن كل ما جرى في منطقة الشرق الأوسط من عام 2011 إلى اليوم كان يمهد لهذه الصفقة ويؤسس لشكل المنطقة وفق رؤى أمريكية خططت لها إسرائيل. ليتجدد بداخل كل منا، صدى السؤال التهكمي لشاعر العرب السوري نزار قباني، والذي جعله عنوانا لواحدة من أهم قصائده الخالدة.. «متي يعلنون وفاة العرب؟».


 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 27 مارس2019

التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...