الأحد، 26 يناير 2020

ارحمونا من «كورونا»




بعد تلاشي نسمات «الربيع العربي» وتقلبه بين شتاء قارس حينا وصيف حارق أحيانا،  وبعد الاختفاء المريب لـ«داعش» وأخواتها، وتراجع العمليات الإرهابية بعد تدجين « الذئاب المنفردة».. ولكي نستمر على أهبة الاستعداد، وفي كامل رعبنا وذعرنا، أستعاد العالم خلال الأيام القليلة الماضية فيروساته الفتاكة من جديد، وإلى من خانته الذاكرة ننشطها بهذه الأسماء: سارس وأنفلونزا الخنازير والطيور.. وكورونا التي استعادت نشاطها فجأة وتثير الهلع في جميع دول العالم في نسختها الجديدة، وكالعادة بلد المنشأ لأي فيروس خطير يظل هو الصين.
استعدوا من اليوم لحلقات مكثفة من «التوك شوز» عن تأهب وزارة الصحة المصرية ونظيراتها في كل بقاع الكوكب، وتقارير تليفزيونية وصحفية تحمل نداءات مكررة للمسافرين والعائدين، واستنفار في المطارات وتعذيب روادها بكل صنوف التفتيش (والتلطيش).. وعداد يومي يرصد أرقام المصابين ويحصى الوفيات.. وترقب عالمي لاختراع مصل أو لقاح أو دواء لعلاج الفيروس المريب.
وكالعادة في البلاد المتخلفة.. سيموت بالذعر والرعب والإجراءات الفاشلة أضعاف من يموتوا بالوباء وفيروسه.
هناك أمر يشغل بالي منذ عام 2011، خاصة بعد خروج الجماهير بالملايين في عز الشتاء (شهر يناير)، ونومهم في التحرير وميادين مصر في العراء، لم نسمع عن حالة عدوى أو وباء، أو انتشار لأي فيروس وسط هذه التجمعات الكبيرة، وتكرر الأمر في دول أكثر تخلفا عن مصر، في اليمن وسوريا والعراق، ملايين في الشوارع عاشت في أمان صحي غريب وعجيب.
ربما أكون مخطئاً في ظني وهواجسي التي يشاركني فيها كثيرين، وهي أن الفيروسات التي تجتاح بلادنا يحركها أهداف سياسية أو اقتصادية سواء عالميا أو محليا.
لن أثير أعصابكم بنظرية المؤامرة، لأنها تحولت إلى أنشودة يومية في مختلف مناحي حياتنا، يعزف عليها إعلامنا الرشيد (كل يوم) لحن جديد، ويغرقنا كل (مساء) في (الحكاية) لنتوه ونهيم في فراغ عقلي وفكري يلهى عقولنا عن الانشغال بما يفيدنا، لهذا أنصحكم بقراءة هذه الحقائق والمعلومات لعلها تفيدنا في قادم الأيام..
Ø    تأمل كثيرا خلال الأسابيع القادمة، الآية الكريمة: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ» صدق الله العظيم، وتعاطي القرآن كدواء شاف لكل أمراض الخوف وأعراضه، فبذكر الله تطمئن القلوب، لا تنسى (الشافي) كي لا يضيع عقلك في المتاهة المرتقبة لأسباب الشفاء.
Ø    فيروس «كورونا» عندما يصيب الإنسان، تتشابه أعراضه مع كل إصابات الجهاز التنفسي بالفيروسات مثل «سارس» والأنفلونزا بكل أنواعها، وتتلخص في الآتي: احتقان في الأنف والحلق والصداع والسعال وارتفاع في درجة الحرارة. الإسهال. ضيق في التنفس. التهاب حاد في الرئة. قصور في أداء معظم أعضاء الجسم قد يصل حدوث فشل كلوي.
Ø    لم يتوفر أي علاج أو لقاح مضاد للفيروس، ويتم تقديم الرعاية الصحية للمصابين بالفيروس عن طريق تخفيف حدة الأعراض والحرص على الحد من تطورها ودخول المريض في مضاعفات تؤدي إلى الوفاة.
Ø    وتشير الدراسات حول الإصابات الأولى إلى أن معدل الوفيات جراء الفيروس ضئيل جداً وذلك وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن خبير لدى منظمة الصحة العالمية يتكفّل بعلاج مصابين بالفيروس في فرنسا، ذكر أن معدّل الوفيات «هو حتى الآن أقلّ من 5%».
Ø    أذكركم بنصيحة أبو الطب أبقراط: «عالجوا مرضاكم من نباتات أرضكم»، وأكرر نصيحة كل الأطباء أكثروا من السوائل الساخنة فيها علاج ووقاية من كل أمراض الشتاء.
حفظنا الله وإياكم من كل شر.




الجمعة، 24 يناير 2020

في ذكرى اليوم الموعود



ربما تكون قد تبدلت مشاعرك تجاه هذا اليوم، وفقدت حماسك للمعنى الذي خلده في وجداننا، وربما تكون انقسامات كثيرة وصراعات مريرة ودماء غزيرة، هي الحصاد الظاهر لحلم الثورة الجميل، لكن ما يجب أن يدركه هذا الجيل من شباب مصر الذي كان نواة هذا الحراك السياسي الملهم، هو أن الأحلام لا تموت، مثلها مثل الشهداء، أبدا لا يموتون. وغدا إن شاء الله ستمحو الأيام «عبث الأقذار» - أقصدها بالـ«ذال» حقا وصدقا، والمعنى يستقيم أكثر مع خالص اعتذاري لأديبنا عميد الرواية العربية وصاحب نوبل، نجيب محفوظ - ليبقى أثر «25 يناير» خالدا في تاريخ شعب مصر، بمعناه الصحيح ورسالته الواضحة.
كتبت السطور السابقة في مقال عنونته بـ «ذكرى ميلاد الحلم» نشر في يناير 2015، وأعيد نشره في كتابي الجديد «حركة شباب: مشاهدات مراسل أجنبي في مصر» الذي يصدر هذا العام، ونحن نحتفل بالذكرى التاسعة لثورة يناير 2011. وقد وجدت أن كلامي القديم ما زال معبرا بصدق عن مشاعري ووجهة نظري تجاه هذا الحدث التاريخي الفارق، وهذا لا يتعارض مع وصفي لـ «يناير» بأنها «حركة شباب» وليست ثورة مكتملة الأركان، كما لا يتعارض أيضا مع تحيزي الصادق لرمز الدولة المصرية ورئيسها عبد الفتاح السيسي وتأييدي الملطق لمشروعه النهضوي لبناء مصر الجديدة.
إن أهم ما تعلمناه من درس «يناير 2011»، هو أن المجتمع المصري والدولة المصرية، لا يناسبها فكرة التغيير الثوري، فلم تحقق مصر من الثورات عبر تاريخها أي طفرات حضارية فارقة أو نتائج سياسية مستدامة، مصر حضارة عريقة لا تحتمل الزلازل السياسية أو الاجتماعية او الاقتصادية أو الدينية، مصر يناسبها الحلول التدريجية والتغيير المرتبط بالنضج و التطور، لأنه يؤسس لنفسه وجودا حقيقيا في أوصال الجسد المصري العريق، الذي لا يتقبل إلا ما تهضمة ذائقته الحضارية، لقد مر على مصر أهوالاً وغزاها أغلب الإمبراطوريات العتيدة في التاريخ، وأجتاحتها رياح الأفكار القادمة من كل بقاع العالم في كل الأزمنة، لكنها أستوعبت الجميع وحافظت على ملامحها وعلى شخصيتها الأصيلة، التي تظهر أوقات المحن والأزمات، إن «المعدة» الحضارية المصرية قادرة على تقبل كل إختلاف واحتوائه بصبر، ومزجه مع «المكون» المصري، أقول هذا وأؤكده رغم ما نعانيه من شقاق وصراعات وخلافات فكرية وسياسية حالية.
نعم، لقد أفسد المنبطحون المناخ العام، فأصبحنا نتحرج من الإشادة ونتردد في الفخر بالإنجازات، التي وصلت إلى حد «المعجزة» في بعض المجالات، لكن هؤلاء أضطرونا أن نكتفي بابتسامة رضا بعيدا عن الأضواء، حتى لا تلتقط لنا صورة معهم وهم يلعقوا الأحذية بحسب ما تعودوا منذ أبتلينا بوجودهم في حياتنا العامة. أما المعارضون «المأجورون» فقد لطخوا سمعة الصوت الآخر والرأي المخالف، وحرمونا من حرية النقد ولوثوا سمعة المعارضة الشريفة، فأصبح من ينتقد.. عاق يستحق السحق الفوري وتعليقه على باب زويلة بجوار «طومانباي»، لقد أجبرونا على الصمت المخزي، حتى لا نكون في قفص واحد معهم.
ظني أن هذه الحالة لن تستمر كثيرا، ضرورات الحياة وعجلة التقدم والتطور تسير دوما إلى الأمام، وجزء من تحضر الأمم هو قدرتها على إستيعاب الإختلاف، ولن يقدر أي مجتمع على تحقيق نهضة حقيقية دون أن يتمكن من الإستفادة من كل طاقاته.
إن مصر في عهد الرئيس السيسي تهرول نحو المستقبل، نجح الرجل العسكري المخلص باجتهاد ومعاونة صادقة من الجيش الوطني والمجتمع المدني بكل آلياته وأدواته، أن يسدد فاتورة «يناير»، وماسبقها من أخطاء عهد مبارك، وأجتاز بمهارة الكثير من الأزمات وتخطى مخاطر محلية وإقليمية ودولية بدهاء وذكاء، وتمكن بعد سنوات قليلة من الحكم أن يضع مصر على أعتاب طريق الحلم الذي ولد في يناير 2011 على يد شبابها، وأكتملت رحلته بفضل الله الذي سخر لهذا الوطن جيشا وطنيا صادقا في إنتماءه واثقا في عطائه، و«شرطة» يستحق رجالها كل الشكر والعرفان على عطائهم وبسالتهم وتضيحاتهم، ولن نختزل الشكر فقط يوم عيدهم «25 يناير»، فهو ممتد طوال العام، فكلاهما الجيش والشرطة في مصر يستحقا الشكر المتواصل على ما يبذلوه لحماية أمن مصر وشعبها.
حفظ الله مصر.. وشعبها.. وشبابها.. وكل عام ومصر بخير.



نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 22 يناير 2019

الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

مطلوب «منتقبة» ترقص باليه


قبل أن نحكي عن الطلب (العجب)، وتفاصيل المطلوب الذي أشرت إليه في عنوان مقالي، أخبركم أولا عن رأيي في مسألة عمل «المنتقبات»، فهو بالنسبة لي مرفوض، ليس في الأمر ظلم أو تجني أو تنمر، هي وجهة نظري وتحتمل الصواب أو الخطأ بالطبع، كما أنها مطروحة في مقال عام، لهذا لا استبعد أن تواجه بانتقاد ومعارضة ورفض، وربما قبول واتفاق، فـ «النقاب» ليس قضية دينية مثل «الحجاب»، بل هو زي نسائي يمكن أن نختلف أو نتفق على أهمية إرتدائه، ويمكن تصنيف قصته تحت بند الحريات الشخصية، ومثلما أرفض المنتقبات في العمل، فإني أرفض «المتبرجات» ممن يتخففن من ملابسهن أو يفرطن في إستخدام الماكياج بطريقة مثيرة ومتعمدة، كلهن يعرقلن العمل، وخاصة الأعمال التي تتطلب التعامل المباشر مع الجمهور.
وفي رأيي ان من اقتنعت بضرورة اخفاء الوجه (تطوعا) تقرباً إلى الله، عليها أن تلزم دارها وتعتزل الناس إلا في حالات الضرورة، ام من قررت (أو اضطرت) للسعى وراء رزقها، ونزلت من بيتها للعمل فإن عليها أن تكشف وجهها للناس كي يطمئنوا لشخصها ويتفاعلوا مع دورها، فالعمل الذي رفعناه إلى مرتبة العبادة، ربما يقترب في قيمته (وخصوصا للمرأة العاملة) إلى منزلة زيارة بيت الله الحرام، الذي تكشف فيه كل أمرأة مسلمة عن وجهها (فرضا).
بالطبع يدرك القراء الاعزاء لماذا ألح علينا أمر النقاب مؤخرا، فقصة التعيين المؤقت لسيدة منتقبة للقيام بأعمال «مدير قصر ثقافة» بإحدى محافظات الوجه البحري (كما أكدت وزيرة الثقافة)، فتح شهية فريق من المجتمع للمزايدة الدينية والجدل والعبث المعتاد، والذي تصدره اعلاميي «الظيطة»، ووصل الامر بأحدهم إلى الهذيان، فانفعل متسائلا كيف تتولى «منتقبة» منصبا من أهم مقوماته إتقان فن «الباليه»، وانفعل ساخرا: «ازاي منقبة هاتعلم البنات رقص الباليه؟».
وقد حفزني «حديث الباليه» فوضعته على رأس مقالي، سخرية من العبث الفضائي، ولأرد على الزميل الإعلامي، بأنه ليس مطلوبا في أي قيادة ثقافية أن تتقن كل الفنون، ولايشترط أصلا أن يكون (تكون) فناناً، يكفي أن يكون له قدرات إدراية وخبرات واضحة في تنظيم الفعاليات الثقافية وإلمام بالنظم واللوائح والضوابط المالية.
لا جديد، كما تعودنا فإن الاعلام (الموجه) تصاحبه «السوشيال ميديا»، أشعلوا نار النقاش في أمر لا يستحق، وزجوا بالدين كالعادة في مواجهة مع الدولة المدنية، وكأننا في معركة مستمرة بين تيارين كلاهما يحاول أن يهيمن على الدولة المصرية، وفي مسألة «النقاب» ظني أن هناك أطراف كانت لها مصلحة في ابقاء القصة على أجندة إهتمامات المجتمع فترة أطول، وربما يزيد من هذا البقاء إصرار السيدة منى القماح المديرة (المنتقبة) لقصر ثقافة كفر الدوار (محافظة البحيرة) في الدفاع عن حقها بالمنصب والوظيفة، وهو حق لن يمنعها عنه أحد.
وأعتقد أنه قد حان الوقت لتحسم الدولة موقفها من هذه الإشكالية بشكل واضح وصريح، وكان البرلمان المصري بصدد إصدار تشريع يحظر النقاب في الأماكن العامة، ولا أدرى حتى الأن في أي محطة تعطل إصدار هذا القانون، ولا أعرف لماذا لم يتم طرحه للنقاش المجتمعي، ربما كنا وصلنا إلى صيغة تكتفي بالحظر فقط في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية، أو أي صيغة آخرى يتوافق عليها المجتمع، المهم أن ننقل قصة النقاب إلى مكانها الصحيح ونخرجها من حيزها الديني، إلى مكانها الطبيعي وهو منطقة الحوار الإجتماعي حول حرية شخصية، قد يتراءى للدولة في لحظة ما تقنين ممارستها لصالح البلاد ولمصلحة العباد.
والله أعلم.

الخميس، 17 أكتوبر 2019

النيل «مجاشي».. والمانيفستو الرئاسي


أعجبني منهج الرئيس السيسي في التعامل مع أزمة المياه، أو بوصف أدق وبحسب تعبيره «الفقر المائي» الذي تعانيه مصر، والذي تجدد الحديث عنه بسبب الأزمة المعروفة إعلاميا بأزمة «سد النهضة» والتي وصلت مفاوضاتها إلى طريق مسدود، وقد أوجز الرئيس منطقه في هذا الملف الشائك خلال رده على سؤال الكاتب الصحفي ياسر رزق في ختام أعمال الندوة التثقيفية الحادية والثلاثين للقوات المسلحة والتي تزامنت مع احتفالات مصر شعبا وجيشا بالذكرى الـ46 لنصر أكتوبر المجيد.
حمل السؤال الذي طرحه الكاتب المقرب من دوائر السلطة هدفا إستراتيجيا، حيث عبر رزق عن حيرة المواطن البسيط من التصعيد الرسمي المصري ضد أثيوبيا بعد تعثر مفاوضات سد النهضة، ثم التهنئة التي أرسلها الرئيس السيسي لرئيس وزراء أثيوبيا أبي أحمد عقب فوزه بجائزة نوبل للسلام. ورد السيسي على سؤال رزق بما يمكن اعتباره «مانيفستو رئاسي»، أوضح فيه سياسة مصر في التعامل مع أثيوبيا وقضية سد النهضة خلال المرحلة المقبلة، ولخصها بأن مصر قد اتخذت التدابير اللازمة والاحتياطات المناسبة لمواجهة مخاطر نقص المياه،  ومن أهم هذه التدابير تعظيم الاستفادة من مياه البحار، بإنشاء عدة محطات تحلية تغذي كل المدن الساحلية بالمياه، وفيما يتعلق بالتعامل مع أثيوبيا أكد الرئيس أنه يدير الملف بحكمة وهدوء، وطالب المصريين بالتروي والحذر عند التفكير في هذا الأمر، مؤكدا أن هناك لقاء قريبا سيجمعه برئيس الوزراء الأثيوبي في موسكو. 
ورغم أني لا أوافق على تحميل (يناير 2011) مشكلة السد، إلا أنه يبدو أن الفوضى التي صاحبت الربيع المصري قد شجعت أثيوبيا على اتخاذ الخطوة الجريئة التي أجلتها سنوات طويلة، ترددت خلالها في أن تعادي مصر التي كانت السند والدعم للشعب الأثيوبي في مختلف قضاياه، لا شك أن السد يمثل مستقبلاً وحلماًكبيراً للشعب الأثيوبي علينا ونحن نفكر في النيل أن ننتبه له جيدا، ولا نكتفي بالحديث عن الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، دون التماس الحق للطرف الآخر.
وعلينا جميعا أن نبادر بالحديث عن الماء وسبل المحافظة عليه وترشيد استخداماته، ونقل ما يدور في العالم حول ندرته خلال المستقبل القريب، ونشر ما وصلت إليه مراكز الأبحاث الدولية حول الحروب القادمة في العالم بسبب المياه، لعل الشعب ينتبه ويقوم بثورة سلوكية في علاقته مع (حنفية المايه)، يجب أن تضع الحكومة قضية مياه النيل على رأس الأولويات، وترسخ فكرة أنها قضية حياة بالنسبة للشعب المصري، وتجعل المحافظة على كل قطرة ماء هدف رئيسي عند كل مواطن، وتثمن التوظيف الصحيح لكل استخدام رشيد، إنه تغيير ضروري وحتمي، يلزم الجميع بتبني ثقافة جديدة.. تدخر الماء ولا تهدره.
وأذكركم أخيرا، بأغنية «النيل نجاشى» التي تغنى بها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عام 1933، وما يحمله أسم الأغنية من دلالة واضحة تنسب النيل إلى منابعه في الحبشة (أثيوبيا حالياً) والتي كان يلقب ملوكها بـ «النجاشي»، وقد أكرم «نجاشي» في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام المهاجرين الأوائل وحماهم في بلاده، ومن المفارقات أننا كنا نغني أغنية عبد الوهاب ونحن صغار ونقول: «النيل مجاشي»، وهو ما لا نتمناه أبدا من شركائنا في مياه النيل، ظني أنهم يدركون جيدا خطورة عدم وصول مياه النيل إلى مصبه في مصر، ولا أعتقد أن أحد في العالم يجرؤ أن يكون سبباً في عطش المصريين.
لتبقى مصر هبة النيل، شاء من شاء.. وأبى من أبى.


الخميس، 10 أكتوبر 2019

اختيار «منسي»


توقفت هذا الأسبوع أمام خبر إنتاج مسلسل «الاختيار» عن قصة الشهيد العقيد أحمد منسي بطل القوات المسلحة المصرية والذي استشهد في السابع من يوليو عام 2017، ليكون باكورة الأعمال الدرامية التي تجهز للعرض في شهر رمضان 2020، وقد صاحب إعلان الخبر عاصفة من الترحيب تقديرا وعرفانا بما قدمه الشهيد البطل في حرب مصر على الإرهاب. أسعدني الخبر خاصة وأن فريق عمل المسلسل المعلن عنه هو فريق عمل المسلسل الرمضاني الناجح «كلبش» بأجزائه الثلاثة، وهم الممثل الخلوق أمير كرارة والمخرج المتميز بيتر ميمي، أما مؤلفه فهو الصديق العزيز الدكتور باهر دويدار، ورغم هذه السعادة تبادر إلى ذهني أكثر من سؤال، ربما كان أبرزها وأهمها..

لماذا أحمد منسي؟
وقبل أن أجد إجابة (أو إجابات)، وقع نظري على مقال بديع للزميل الكاتب الصحفي رشدي الدقن في صحيفة «روزاليوسف» بعنوان «عم عبد الجواد»، اختطفتني سطوره الأولى: «نفسك في أيه يا عبد الجواد"؟ .. سؤال تقليدي جدا في نهاية زيارة الرئيس جمال عبد الناصر للمقاتل، عبد الجواد سويلم، والذي فقد نصف جسده، في معركة خلف خطوط العدو، أثناء حرب الاستنزاف. المقاتل الذي فقد ساقيه اليمنى و اليسرى وذراعه الأيمن وعينه اليمنى، رد بسرعة، نفسي أرجع الجبهة وأحارب ياريس».

ذكرني المقال بقصة «الشهيد الحي» والذي كان منسيا حتى كرمه الرئيس عبد الفتاح السيسي في المؤتمر الوطني للشباب في نسخته الثالثة بمدينة الإسماعيلية في إبريل 2017، وقبل رأسه وسط تصفيق الحضور وهو يقدم له التحية العسكرية بيده اليسرى بديلا عن اليمنى المبتورة، وقد لقب سويلم بـ«الشهيد الحي» لأنه المحارب الوحيد في العصر الحديث الذي خاض حربا ميدانية وهو مصاب بعجز كامل (بتر في الساقين واليد اليمنى وإصابة في العين)، وذلك بعد أن تمت الموافقة على طلبه بالاستمرار في كتيبة الصاعقة خلال حرب الاستنزاف وحتى نصر أكتوبر 73، وحصل سويلم على نوط الشجاعة من الرئيس عبد الناصر، ثم من الرئيس السادات، وخلال الاحتفال باليوبيل الفضي لنصر أكتوبر عام 1998، منحه الرئيس مبارك ميدالية مقاتلي أكتوبر، قبل أن يكرمه الرئيس السيسي عام 2017.

لم أقصد مقارنة بين بطلين أو بين حربين، لكن مقال الزميل رشدي أعاد قصة عم عبد الجواد أمامي في مشاهد سينمائية حتى أني كتبت له على صفحته في الفيس بوك معلقاً: «هذه قصة عظيمة تصلح لفيلم سينمائي محترم تمنيناه كثيرا.. والفيلم العظيم ليس معارك وباروداً.. إنما فيلم عن البطولة والصمود.. عن روح الإنسان المصري.. روح أكتوبر.. التي تم استنزافها عبر السنوات التي أعقبت النصر.. ونحكي عنها اليوم وكأنها أثر مسروق».

إن قصة «عم عبد الجواد»، وغيرها مئات القصص المجهولة والمخفية والمظلومة لأبطال «منسيين»، لو توافر لها إمكانيات إنتاجية محترمة ومماثلة لفيلم «الممر» المنتج هذا العام عن حرب الاستنزاف، أظنها ستحقق نجاحا جماهيريا وفنيا لا يتوقعه أحد وسترشح لأهم الجوائز الدولية في السينما، لدينا كنوز مدفونة ليتنا نستفيد منها، وأتمنى أن يستمر الاهتمام بتقديم قصص أبطالنا بأسمائهم الحقيقية (في كل المجالات) من خلال الدراما للسينما والتليفزيون، وأن يكون «منسى» هو البداية.

وبالمناسبة، فإن لقب «الشهيد الحي» يعود إلى التاريخ الإسلامي ووصف به طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأشجع من دافعوا عن النبي في غزوة أحد في بطولة نادرة، حيث تلقى عدد كبير من الطعنات وأصيب إصابات بالغة حتى فقد الوعي وكاد أن يموت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سرَّه أن ينظُر إلى شهيدٍ يمشي على وجهِ الأرضِ فلينظُرْ إلى طلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ». وهي معلومة هامشية حق ذكرها لكي نعرف أن خط البطولة ممتد بطول التاريخ، وقصصه راسخة وتنتظر من يستدعيها إلى شاشات السينما والتليفزيون لعل الأجيال الجديدة ترى وتتعلم وسط فوضى وعبث ما يحاصر عيونهم من مواد درامية وإعلامية تذهب العقول وتقتلع الانتماء وتربك الأخلاق وتسقط الدين.



*نشر في صحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 9 أكتوبر 2019


الخميس، 26 سبتمبر 2019

«ماذا حدث للمصريين» في سبتمبر 2019؟!



 استقبلنا خريف هذا العام بتساقط أوراق (الصمت) التي سترت عورات كثيرة في السنوات الأخيرة، فانكشف المستور وعشنا نتجادل في المحظور، يهيمن على فضاءنا الإعلامي الصخب والعبث، وتحكمه الأكاذيب والسفالة والتدني الأخلاقي، ويتصدر المشهد حفنة من الآفاقيين، يستوي في هذا الإعلام التقليدي (فضائيات ومواقع وصحف) مع الغريم والمنافسالمستجد (السوشيال ميديا)، لا أحاديث إلا(هلاوس) سياسية وضلالات فكرية وتخاريف إعلامية، حتى ظن أي عاقل يتابع المشهد عن بعد، أن مصر تحولت في عشية وضحاها إلى (مستشفى للمجانين).
الأحداث تداعت بسرعة غير مفهومة والأوضاع الساكنة منذ سنوات تفجرت بشراسة غير مبررة، فارتعد الشارع المصري واستدعتذاكرة بسطاء المصريين المشاعر السلبية التي عاشوها في سنوات ما سمي «الربيع العربي»، وارتبك الجميع وكأننا اكتشفنا فجأة أن مصر في «حالة حرب».
سأقتبس عنواناً قديماً لكاتب ومفكر كبير صاغه في سؤال معبر جدا عن اللحظة، أما الكاتب فهو دكتور جلال أمين، وسؤاله وعنوان كتابه كان: «ماذا حدث للمصريين؟» والذي صدرت طبعته الأولى عن دار الشروق عام 1998.
ما الذي حدث في مصر، وما جري للمصريين(شعب وسلطة) في سبتمبر 2019؟؟ 
هذا هو سؤالنا وهذه حالتنا، وهو أمر يستدعى جهد بحثي جبار من علماء الاجتماع السياسي ليجيبونا وفق منهجهم العلمي، كيف تدهور حال المصري (أخلاقه وقيمه وسلوكه) خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى أصبحت أذنيه تستسيغ قاذورات «المقاول المارق» وتتفاعل معها، وتقبل عقله تقيؤات «أيقونة يناير» وكأنه ينطق بالدر؟، كيف بات من اليسير على المواطن المتعلم أن يسقط فريسة لفخ الأكاذيب المستمرة من كل وسائل الإعلام، ويغرق تائهاً لا يدرك الحقيقة وهي بازغة ومشرقة أمام الأعين، وإن كان كتاب الدكتور جلال أمين قد رصد ما حدث في المجتمع المصري في نصف قرن (1945 – 1995)، فإن الحاجة الآن أصبحت ملحة لنعرف تفصيلاً ما حدث للمجتمع خلال عشرية الربيع الملعون (2010- 2020) الذي لاح خريفه وبانت تخاريفه.
للأسف لقد أفقدتنا هذه السنوات العشر قدرتنا على التمييز فضاع بيننا الحق، فضللنا عن طريقه، وباتت الكبائر مباحة وسهلة، فسمعنا للشيطان واستجبنا له وتظاهرنا لأجله، فمنحنا صداقته الدائمة، لهذا تداولنا الرجس في يسر دون أن تستيقظ ضمائرنا وندرك كارثة ما نفعله في مجتمعنا والخراب الذي ينتظر أبنائنا.
لا شك أن هناك أمر كبير حدث بمصر في سبتمبر 2019.. سنختلف في وصفه أو تسميته لكننا حتما سنتفق على أسبابه وأهدافه.. أدرك وغيري كثيرون من أهل الرأى وأصحاب الفكر المعتدل من المهمومين بالشأن العام، إننا نمر بمحنة سياسية ومنعطف خطير، إننا أمام حالة احتقان سياسي واجتماعي واقتصادي مزمنة، سهلت على أبالسة (الفيديوهات) العابرة للحدود التسلل بين ثنايا العقل الجمعي المصري، في مرحلة زادت فيها الأعباء على كاهل الأسرة المصرية في السنوات الأخيرة، (كما تزامنت فيديوهات الإثارة مع بداية العام الدراسي والارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات العملية التعليمية بالإضافة إلى الملابس والأحذية والحقائب وخلافه من احتياجات أساسية لطلاب المدارس)، ولن نخشى أن نقول أن هناك أخطاء ارتكبت أوصلتنا مع تردي أوضاع المصريين الأخلاقية والمعنوية، إلى هذا المشهد الهزلي الذي دفعنا إلى حافة الأزمة.
ومن الحكمة تدارك الأزمة بصراحة وذكاء وهدوء كي لا تنفرط الأمور وندخل في متاهة جديدة لا يحتملها الحاضر الذي نحياه في مصر ولا يقدر على تسديد فواتيرها الشعب المصري الذي اسند ظهره إلى الحائط الأخير.
ثقتي كبيرة في مصر.. شعبها وجيشها.. وثقتي أكبر بأن الله خير حافظاً.

 نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 25 سبتمبر 2019

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

مؤتمر «الضرورة»




ارتبط مصطلح «الضرورة» بالرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أن وصفه به الكاتب الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل في أعقاب 30 يونيو 2013 وما تبعها من أحداث سياسية صاخبة وعمليات إرهابية وتخريبية وقفت وراءها جماعة الإخوان «المحظورة»، دفعت الوطن إلى حافة الهاوية ورأى وقتها الكاتب الكبير ومثله عشرات من الكتاب والمثقفين ومئات من السياسيين وآلاف من الشباب وملايين من المصريين، أن السيسي «الرئيس الضرورة» بمعنى أنه المرشح الأمثل لتولي حكم مصر في هذه المرحلة من تاريخها، فألتف حوله الشعب بعد أن خاض معركة انتزاع مصر من براثن الظلامية والتخلف التي مثلها تيارات العنف الديني وفي مقدمتها الإخوان.
ويستمر الإجماع الشعبي الذي تنوعت أشكاله وفعالياته في مساندة ودعم الرئيس والتأكيد على الثقة المستمرة فيه خلال السنوات الخمس الماضية، ورغم ما تواجهه «مصر- السيسي» من حروب شرسة من قوى الشر المتحالفة ضد مصر والتي تأمل في إيقاف مسيرة التنمية وعجلة التقدم، وقد بلغت  الحرب أشدها خلال الأسابيع الأخيرة، وصدر القرار الحكيم باستدعاء الشباب لمواجهة الخطر المحدق بالوطن، فكان مؤتمر «الضرورة».. المؤتمر الوطني للشباب الذي استضافه مركز المنارة للمؤتمرات قبل أيام.
وتكمن أهمية #المؤتمر_الوطني_الثامن_للشباب في توقيته ومغزاه.. حيث وقف شباب مصر ممن تأهلوا في البرنامج الرئاسي والأكاديمية الوطنية (وهم نماذج فريدة لمرحلة جديدة من تاريخ مصر) خلف الرئيس والدولة في مواجهة علمية وعملية مع فساد وأخطاء الماضي وأكاذيبه مجسدة في مقاول وممثل فاشل يمكن وصفه بأنه نموذج حي  لفساد عصر مبارك ودولته ونظامه، وآخر وصف بأنه أيقونة «يناير» الحركة الثورية التي خرجت ضد مشروع توريث جمال مبارك.
إن مؤتمر المنارة (المفاجئ) هو استدعاء الضرورة لهذا الجيل من الشباب ليمنع محاولات التخريب والتدمير التي تستهدف مصر تحت ستار ما أصطلح على تسميته بحروب الجيل الرابع.. والتي تستعين في موقعة «الفيديوهات» بنموذجين فاشلين.. يقف وراءهما قائمة من المستفيدين، وهي قائمة تطول وتتضخم مع الأيام لأسباب وعوامل كثيرة، بعضها قدري والكثير منها بشري يمكن تداركه وهذا أمر شرحه يطول ويستحق حديث منفصل ومفسر
أدرك ما حققته «فيديوهات سبتمبر» من صدى في نفوس البعض، في ظل أجواء ضبابية وغير مريحة تهيمن على المشهد العام، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتحرى ما يقال ونجتهد في البحث عن مصداقية ما يبث علينا من محتوى، فما شاهدناه هي تخاريف لا ترتقي إلى مرحلة التسلية، فهي أحاديث مدمنين أدنى من أن يقبلها عقل طفل ساذج..  وما حوته من قاذورات مكانها هو سلة مهملات التاريخ، كلامي قبل أن يكون دفاعا ودعما لوطن ودولة وجيش ورئيس، هو دفاع عن العقل المصري الذي يستحق الحماية والوقاية والتحصين من هذا السخف وهذه الترهات، وهذا ما تم مناقشته في جلسات المؤتمر الوطني الشباب في نسخته الثامنة، وخاصة الجلسة الثانية التي جاءت تحت عنوان: «تأثير نشر الأكاذيب على الدولة في ضوء حروب الجيل الرابع».
ومن أهم ما قاله الرئيس السيسي خلال هذه الجلسة: «الجيش مؤسسة مغلقة.. حساسة جدا للثقة.. كل الأجهزة قالولي لو سمحت ما تتكلمش وكادوا يبوسوا ايديا.. كل ست كبيرة بتدعي لي اسيبها ازاي محتارة»، وبالفعل تطرق الرئيس لبعض ما أشيع وأثارته الفيديوهات الكاذبة، مقسماً بالله أنه أمين على الشعب ومصالحه، وهذه الكلمات الصادقة العفوية البسيطة وصلت إلى قلوب كل المتابعين وأنارت بصيرة المخدوعين، وهدأت من روع المذعورين، فكسب الرئيس رهانه على علاقته القوية والمباشرة مع المصريين.
حفظ الله مصر.

نشر في صحيفة "صوت الأزهر" بتاريخ 18 سبتمبر 2019


التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...