الخميس، 17 أكتوبر 2019

النيل «مجاشي».. والمانيفستو الرئاسي


أعجبني منهج الرئيس السيسي في التعامل مع أزمة المياه، أو بوصف أدق وبحسب تعبيره «الفقر المائي» الذي تعانيه مصر، والذي تجدد الحديث عنه بسبب الأزمة المعروفة إعلاميا بأزمة «سد النهضة» والتي وصلت مفاوضاتها إلى طريق مسدود، وقد أوجز الرئيس منطقه في هذا الملف الشائك خلال رده على سؤال الكاتب الصحفي ياسر رزق في ختام أعمال الندوة التثقيفية الحادية والثلاثين للقوات المسلحة والتي تزامنت مع احتفالات مصر شعبا وجيشا بالذكرى الـ46 لنصر أكتوبر المجيد.
حمل السؤال الذي طرحه الكاتب المقرب من دوائر السلطة هدفا إستراتيجيا، حيث عبر رزق عن حيرة المواطن البسيط من التصعيد الرسمي المصري ضد أثيوبيا بعد تعثر مفاوضات سد النهضة، ثم التهنئة التي أرسلها الرئيس السيسي لرئيس وزراء أثيوبيا أبي أحمد عقب فوزه بجائزة نوبل للسلام. ورد السيسي على سؤال رزق بما يمكن اعتباره «مانيفستو رئاسي»، أوضح فيه سياسة مصر في التعامل مع أثيوبيا وقضية سد النهضة خلال المرحلة المقبلة، ولخصها بأن مصر قد اتخذت التدابير اللازمة والاحتياطات المناسبة لمواجهة مخاطر نقص المياه،  ومن أهم هذه التدابير تعظيم الاستفادة من مياه البحار، بإنشاء عدة محطات تحلية تغذي كل المدن الساحلية بالمياه، وفيما يتعلق بالتعامل مع أثيوبيا أكد الرئيس أنه يدير الملف بحكمة وهدوء، وطالب المصريين بالتروي والحذر عند التفكير في هذا الأمر، مؤكدا أن هناك لقاء قريبا سيجمعه برئيس الوزراء الأثيوبي في موسكو. 
ورغم أني لا أوافق على تحميل (يناير 2011) مشكلة السد، إلا أنه يبدو أن الفوضى التي صاحبت الربيع المصري قد شجعت أثيوبيا على اتخاذ الخطوة الجريئة التي أجلتها سنوات طويلة، ترددت خلالها في أن تعادي مصر التي كانت السند والدعم للشعب الأثيوبي في مختلف قضاياه، لا شك أن السد يمثل مستقبلاً وحلماًكبيراً للشعب الأثيوبي علينا ونحن نفكر في النيل أن ننتبه له جيدا، ولا نكتفي بالحديث عن الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، دون التماس الحق للطرف الآخر.
وعلينا جميعا أن نبادر بالحديث عن الماء وسبل المحافظة عليه وترشيد استخداماته، ونقل ما يدور في العالم حول ندرته خلال المستقبل القريب، ونشر ما وصلت إليه مراكز الأبحاث الدولية حول الحروب القادمة في العالم بسبب المياه، لعل الشعب ينتبه ويقوم بثورة سلوكية في علاقته مع (حنفية المايه)، يجب أن تضع الحكومة قضية مياه النيل على رأس الأولويات، وترسخ فكرة أنها قضية حياة بالنسبة للشعب المصري، وتجعل المحافظة على كل قطرة ماء هدف رئيسي عند كل مواطن، وتثمن التوظيف الصحيح لكل استخدام رشيد، إنه تغيير ضروري وحتمي، يلزم الجميع بتبني ثقافة جديدة.. تدخر الماء ولا تهدره.
وأذكركم أخيرا، بأغنية «النيل نجاشى» التي تغنى بها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عام 1933، وما يحمله أسم الأغنية من دلالة واضحة تنسب النيل إلى منابعه في الحبشة (أثيوبيا حالياً) والتي كان يلقب ملوكها بـ «النجاشي»، وقد أكرم «نجاشي» في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام المهاجرين الأوائل وحماهم في بلاده، ومن المفارقات أننا كنا نغني أغنية عبد الوهاب ونحن صغار ونقول: «النيل مجاشي»، وهو ما لا نتمناه أبدا من شركائنا في مياه النيل، ظني أنهم يدركون جيدا خطورة عدم وصول مياه النيل إلى مصبه في مصر، ولا أعتقد أن أحد في العالم يجرؤ أن يكون سبباً في عطش المصريين.
لتبقى مصر هبة النيل، شاء من شاء.. وأبى من أبى.


الخميس، 10 أكتوبر 2019

اختيار «منسي»


توقفت هذا الأسبوع أمام خبر إنتاج مسلسل «الاختيار» عن قصة الشهيد العقيد أحمد منسي بطل القوات المسلحة المصرية والذي استشهد في السابع من يوليو عام 2017، ليكون باكورة الأعمال الدرامية التي تجهز للعرض في شهر رمضان 2020، وقد صاحب إعلان الخبر عاصفة من الترحيب تقديرا وعرفانا بما قدمه الشهيد البطل في حرب مصر على الإرهاب. أسعدني الخبر خاصة وأن فريق عمل المسلسل المعلن عنه هو فريق عمل المسلسل الرمضاني الناجح «كلبش» بأجزائه الثلاثة، وهم الممثل الخلوق أمير كرارة والمخرج المتميز بيتر ميمي، أما مؤلفه فهو الصديق العزيز الدكتور باهر دويدار، ورغم هذه السعادة تبادر إلى ذهني أكثر من سؤال، ربما كان أبرزها وأهمها..

لماذا أحمد منسي؟
وقبل أن أجد إجابة (أو إجابات)، وقع نظري على مقال بديع للزميل الكاتب الصحفي رشدي الدقن في صحيفة «روزاليوسف» بعنوان «عم عبد الجواد»، اختطفتني سطوره الأولى: «نفسك في أيه يا عبد الجواد"؟ .. سؤال تقليدي جدا في نهاية زيارة الرئيس جمال عبد الناصر للمقاتل، عبد الجواد سويلم، والذي فقد نصف جسده، في معركة خلف خطوط العدو، أثناء حرب الاستنزاف. المقاتل الذي فقد ساقيه اليمنى و اليسرى وذراعه الأيمن وعينه اليمنى، رد بسرعة، نفسي أرجع الجبهة وأحارب ياريس».

ذكرني المقال بقصة «الشهيد الحي» والذي كان منسيا حتى كرمه الرئيس عبد الفتاح السيسي في المؤتمر الوطني للشباب في نسخته الثالثة بمدينة الإسماعيلية في إبريل 2017، وقبل رأسه وسط تصفيق الحضور وهو يقدم له التحية العسكرية بيده اليسرى بديلا عن اليمنى المبتورة، وقد لقب سويلم بـ«الشهيد الحي» لأنه المحارب الوحيد في العصر الحديث الذي خاض حربا ميدانية وهو مصاب بعجز كامل (بتر في الساقين واليد اليمنى وإصابة في العين)، وذلك بعد أن تمت الموافقة على طلبه بالاستمرار في كتيبة الصاعقة خلال حرب الاستنزاف وحتى نصر أكتوبر 73، وحصل سويلم على نوط الشجاعة من الرئيس عبد الناصر، ثم من الرئيس السادات، وخلال الاحتفال باليوبيل الفضي لنصر أكتوبر عام 1998، منحه الرئيس مبارك ميدالية مقاتلي أكتوبر، قبل أن يكرمه الرئيس السيسي عام 2017.

لم أقصد مقارنة بين بطلين أو بين حربين، لكن مقال الزميل رشدي أعاد قصة عم عبد الجواد أمامي في مشاهد سينمائية حتى أني كتبت له على صفحته في الفيس بوك معلقاً: «هذه قصة عظيمة تصلح لفيلم سينمائي محترم تمنيناه كثيرا.. والفيلم العظيم ليس معارك وباروداً.. إنما فيلم عن البطولة والصمود.. عن روح الإنسان المصري.. روح أكتوبر.. التي تم استنزافها عبر السنوات التي أعقبت النصر.. ونحكي عنها اليوم وكأنها أثر مسروق».

إن قصة «عم عبد الجواد»، وغيرها مئات القصص المجهولة والمخفية والمظلومة لأبطال «منسيين»، لو توافر لها إمكانيات إنتاجية محترمة ومماثلة لفيلم «الممر» المنتج هذا العام عن حرب الاستنزاف، أظنها ستحقق نجاحا جماهيريا وفنيا لا يتوقعه أحد وسترشح لأهم الجوائز الدولية في السينما، لدينا كنوز مدفونة ليتنا نستفيد منها، وأتمنى أن يستمر الاهتمام بتقديم قصص أبطالنا بأسمائهم الحقيقية (في كل المجالات) من خلال الدراما للسينما والتليفزيون، وأن يكون «منسى» هو البداية.

وبالمناسبة، فإن لقب «الشهيد الحي» يعود إلى التاريخ الإسلامي ووصف به طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأشجع من دافعوا عن النبي في غزوة أحد في بطولة نادرة، حيث تلقى عدد كبير من الطعنات وأصيب إصابات بالغة حتى فقد الوعي وكاد أن يموت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سرَّه أن ينظُر إلى شهيدٍ يمشي على وجهِ الأرضِ فلينظُرْ إلى طلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ». وهي معلومة هامشية حق ذكرها لكي نعرف أن خط البطولة ممتد بطول التاريخ، وقصصه راسخة وتنتظر من يستدعيها إلى شاشات السينما والتليفزيون لعل الأجيال الجديدة ترى وتتعلم وسط فوضى وعبث ما يحاصر عيونهم من مواد درامية وإعلامية تذهب العقول وتقتلع الانتماء وتربك الأخلاق وتسقط الدين.



*نشر في صحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 9 أكتوبر 2019


الخميس، 26 سبتمبر 2019

«ماذا حدث للمصريين» في سبتمبر 2019؟!



 استقبلنا خريف هذا العام بتساقط أوراق (الصمت) التي سترت عورات كثيرة في السنوات الأخيرة، فانكشف المستور وعشنا نتجادل في المحظور، يهيمن على فضاءنا الإعلامي الصخب والعبث، وتحكمه الأكاذيب والسفالة والتدني الأخلاقي، ويتصدر المشهد حفنة من الآفاقيين، يستوي في هذا الإعلام التقليدي (فضائيات ومواقع وصحف) مع الغريم والمنافسالمستجد (السوشيال ميديا)، لا أحاديث إلا(هلاوس) سياسية وضلالات فكرية وتخاريف إعلامية، حتى ظن أي عاقل يتابع المشهد عن بعد، أن مصر تحولت في عشية وضحاها إلى (مستشفى للمجانين).
الأحداث تداعت بسرعة غير مفهومة والأوضاع الساكنة منذ سنوات تفجرت بشراسة غير مبررة، فارتعد الشارع المصري واستدعتذاكرة بسطاء المصريين المشاعر السلبية التي عاشوها في سنوات ما سمي «الربيع العربي»، وارتبك الجميع وكأننا اكتشفنا فجأة أن مصر في «حالة حرب».
سأقتبس عنواناً قديماً لكاتب ومفكر كبير صاغه في سؤال معبر جدا عن اللحظة، أما الكاتب فهو دكتور جلال أمين، وسؤاله وعنوان كتابه كان: «ماذا حدث للمصريين؟» والذي صدرت طبعته الأولى عن دار الشروق عام 1998.
ما الذي حدث في مصر، وما جري للمصريين(شعب وسلطة) في سبتمبر 2019؟؟ 
هذا هو سؤالنا وهذه حالتنا، وهو أمر يستدعى جهد بحثي جبار من علماء الاجتماع السياسي ليجيبونا وفق منهجهم العلمي، كيف تدهور حال المصري (أخلاقه وقيمه وسلوكه) خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى أصبحت أذنيه تستسيغ قاذورات «المقاول المارق» وتتفاعل معها، وتقبل عقله تقيؤات «أيقونة يناير» وكأنه ينطق بالدر؟، كيف بات من اليسير على المواطن المتعلم أن يسقط فريسة لفخ الأكاذيب المستمرة من كل وسائل الإعلام، ويغرق تائهاً لا يدرك الحقيقة وهي بازغة ومشرقة أمام الأعين، وإن كان كتاب الدكتور جلال أمين قد رصد ما حدث في المجتمع المصري في نصف قرن (1945 – 1995)، فإن الحاجة الآن أصبحت ملحة لنعرف تفصيلاً ما حدث للمجتمع خلال عشرية الربيع الملعون (2010- 2020) الذي لاح خريفه وبانت تخاريفه.
للأسف لقد أفقدتنا هذه السنوات العشر قدرتنا على التمييز فضاع بيننا الحق، فضللنا عن طريقه، وباتت الكبائر مباحة وسهلة، فسمعنا للشيطان واستجبنا له وتظاهرنا لأجله، فمنحنا صداقته الدائمة، لهذا تداولنا الرجس في يسر دون أن تستيقظ ضمائرنا وندرك كارثة ما نفعله في مجتمعنا والخراب الذي ينتظر أبنائنا.
لا شك أن هناك أمر كبير حدث بمصر في سبتمبر 2019.. سنختلف في وصفه أو تسميته لكننا حتما سنتفق على أسبابه وأهدافه.. أدرك وغيري كثيرون من أهل الرأى وأصحاب الفكر المعتدل من المهمومين بالشأن العام، إننا نمر بمحنة سياسية ومنعطف خطير، إننا أمام حالة احتقان سياسي واجتماعي واقتصادي مزمنة، سهلت على أبالسة (الفيديوهات) العابرة للحدود التسلل بين ثنايا العقل الجمعي المصري، في مرحلة زادت فيها الأعباء على كاهل الأسرة المصرية في السنوات الأخيرة، (كما تزامنت فيديوهات الإثارة مع بداية العام الدراسي والارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات العملية التعليمية بالإضافة إلى الملابس والأحذية والحقائب وخلافه من احتياجات أساسية لطلاب المدارس)، ولن نخشى أن نقول أن هناك أخطاء ارتكبت أوصلتنا مع تردي أوضاع المصريين الأخلاقية والمعنوية، إلى هذا المشهد الهزلي الذي دفعنا إلى حافة الأزمة.
ومن الحكمة تدارك الأزمة بصراحة وذكاء وهدوء كي لا تنفرط الأمور وندخل في متاهة جديدة لا يحتملها الحاضر الذي نحياه في مصر ولا يقدر على تسديد فواتيرها الشعب المصري الذي اسند ظهره إلى الحائط الأخير.
ثقتي كبيرة في مصر.. شعبها وجيشها.. وثقتي أكبر بأن الله خير حافظاً.

 نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 25 سبتمبر 2019

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

مؤتمر «الضرورة»




ارتبط مصطلح «الضرورة» بالرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أن وصفه به الكاتب الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل في أعقاب 30 يونيو 2013 وما تبعها من أحداث سياسية صاخبة وعمليات إرهابية وتخريبية وقفت وراءها جماعة الإخوان «المحظورة»، دفعت الوطن إلى حافة الهاوية ورأى وقتها الكاتب الكبير ومثله عشرات من الكتاب والمثقفين ومئات من السياسيين وآلاف من الشباب وملايين من المصريين، أن السيسي «الرئيس الضرورة» بمعنى أنه المرشح الأمثل لتولي حكم مصر في هذه المرحلة من تاريخها، فألتف حوله الشعب بعد أن خاض معركة انتزاع مصر من براثن الظلامية والتخلف التي مثلها تيارات العنف الديني وفي مقدمتها الإخوان.
ويستمر الإجماع الشعبي الذي تنوعت أشكاله وفعالياته في مساندة ودعم الرئيس والتأكيد على الثقة المستمرة فيه خلال السنوات الخمس الماضية، ورغم ما تواجهه «مصر- السيسي» من حروب شرسة من قوى الشر المتحالفة ضد مصر والتي تأمل في إيقاف مسيرة التنمية وعجلة التقدم، وقد بلغت  الحرب أشدها خلال الأسابيع الأخيرة، وصدر القرار الحكيم باستدعاء الشباب لمواجهة الخطر المحدق بالوطن، فكان مؤتمر «الضرورة».. المؤتمر الوطني للشباب الذي استضافه مركز المنارة للمؤتمرات قبل أيام.
وتكمن أهمية #المؤتمر_الوطني_الثامن_للشباب في توقيته ومغزاه.. حيث وقف شباب مصر ممن تأهلوا في البرنامج الرئاسي والأكاديمية الوطنية (وهم نماذج فريدة لمرحلة جديدة من تاريخ مصر) خلف الرئيس والدولة في مواجهة علمية وعملية مع فساد وأخطاء الماضي وأكاذيبه مجسدة في مقاول وممثل فاشل يمكن وصفه بأنه نموذج حي  لفساد عصر مبارك ودولته ونظامه، وآخر وصف بأنه أيقونة «يناير» الحركة الثورية التي خرجت ضد مشروع توريث جمال مبارك.
إن مؤتمر المنارة (المفاجئ) هو استدعاء الضرورة لهذا الجيل من الشباب ليمنع محاولات التخريب والتدمير التي تستهدف مصر تحت ستار ما أصطلح على تسميته بحروب الجيل الرابع.. والتي تستعين في موقعة «الفيديوهات» بنموذجين فاشلين.. يقف وراءهما قائمة من المستفيدين، وهي قائمة تطول وتتضخم مع الأيام لأسباب وعوامل كثيرة، بعضها قدري والكثير منها بشري يمكن تداركه وهذا أمر شرحه يطول ويستحق حديث منفصل ومفسر
أدرك ما حققته «فيديوهات سبتمبر» من صدى في نفوس البعض، في ظل أجواء ضبابية وغير مريحة تهيمن على المشهد العام، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتحرى ما يقال ونجتهد في البحث عن مصداقية ما يبث علينا من محتوى، فما شاهدناه هي تخاريف لا ترتقي إلى مرحلة التسلية، فهي أحاديث مدمنين أدنى من أن يقبلها عقل طفل ساذج..  وما حوته من قاذورات مكانها هو سلة مهملات التاريخ، كلامي قبل أن يكون دفاعا ودعما لوطن ودولة وجيش ورئيس، هو دفاع عن العقل المصري الذي يستحق الحماية والوقاية والتحصين من هذا السخف وهذه الترهات، وهذا ما تم مناقشته في جلسات المؤتمر الوطني الشباب في نسخته الثامنة، وخاصة الجلسة الثانية التي جاءت تحت عنوان: «تأثير نشر الأكاذيب على الدولة في ضوء حروب الجيل الرابع».
ومن أهم ما قاله الرئيس السيسي خلال هذه الجلسة: «الجيش مؤسسة مغلقة.. حساسة جدا للثقة.. كل الأجهزة قالولي لو سمحت ما تتكلمش وكادوا يبوسوا ايديا.. كل ست كبيرة بتدعي لي اسيبها ازاي محتارة»، وبالفعل تطرق الرئيس لبعض ما أشيع وأثارته الفيديوهات الكاذبة، مقسماً بالله أنه أمين على الشعب ومصالحه، وهذه الكلمات الصادقة العفوية البسيطة وصلت إلى قلوب كل المتابعين وأنارت بصيرة المخدوعين، وهدأت من روع المذعورين، فكسب الرئيس رهانه على علاقته القوية والمباشرة مع المصريين.
حفظ الله مصر.

نشر في صحيفة "صوت الأزهر" بتاريخ 18 سبتمبر 2019


السبت، 31 أغسطس 2019

فعل «الهجرة» وأثره في المشروع الإسلامي




تمثل «الهجرة» حجر الأساس لمنجز المشروع الإسلامي الذي تحقق واستمر طوال 1441 عام، تبلورت الفكرة واختمرت واختبرها النبي في «هجرة الحبشة» قبل أن تصبح «يثرب» هي الملاذ والمستقر، لتصبح «المدينة المنورة» بسطوع شمس نبينا محمد عليه أفضل صلاة وسلام وصحبه أبي بكر على أرضها بعد رحلة شاقة نجيا فيها من الهلاك، بفضل الله الذي سترهما وحفظهما في غار حراء بينما رهط من كفار قريش تصطك سيوفهم على بابه، بعد أن أغشاهم المولى عز وجل فلم يبصروه، ليصل سالما إلى طيبة الطيبة بأهلها من «الأنصار»، ويشرق بين ربوعها فجر الإسلام، لتصبح الهجرة هي «فعل» البداية والخطوة الأولى لبناء دولة الإسلام التي شيدها الرسول وأتمها من بعده خلفائه الراشدون.
والهجرة تمثل نموذجاً مثالياً لتأكيد حيوية الفكر الإسلامي وتفاعلية الثقافة المحمدية (الربانية) القائمة على المنهج الإيجابي، إن التعاليم الربانية التي نقلها جبريل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام في آيات من الذكر الحكيم وفي وحي مقدس ترجمت جميعها إلى عقائد وعبادات، تتفق في مجملها على تحفيز الإنسان المسلم على الحركة ومكافحة السكون والاستسلام. ومثلت فكرة «الهجرة» قمة التحرك الإيجابي للتحرر من الظلم والعذاب والاضطهاد، بهدف إنقاذ الدعوة الإسلامية وانطلاقها، فكانت هجرة النبي البداية الحقيقية للمشروع الإسلامي، إنها لحظة الفعل الثوري للتخلص من عبودية المكان وذل الموطن وأسر الامتلاك، لقد ترك الرسول وصحبه المسلمون وطنهم (مكة) وأهلهم وبيوتهم وأملاكهم، ليفروا بدعوتهم وينقذوا نبيهم ويحفظوا إسلامهم، ليحق عليهم وعد الله في كتابه الحكيم: « وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، سورة النحل.
ولا أدل على أهمية حدث «الهجرة» ومحوريته أكثر من اختياره لبدء التقويم الإسلامي (الهجري)، الذي يحدد خارطة مواقيت العبادات الأساسية في الإسلام ويرسم ملامح الحياة بالأيام والشهور والسنوات، وهو التقويم الذي أنشأ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وجعل من هجرة رسول من مكة إلى المدينة في 12 ربیع الأول (24 سبتمبر عام 622 ميلادياً) مرجعاً لأول سنة فيه، وهو يرتكز في الأساس على الميقات القمري الذي أمر الله في القرآن بإتباعه وفق ما ذكر تفصيلا في سورة التوبة.
ومن أبلغ ما وصفت به، ما ذكره الدكتور مصطفى محمود في إحدى حلقات برنامجه الشهير (العلم والإيمان)، والتي خصصها للحديث عن الهجرة حيث قال: «الهجرة حياة.. ومغالبة للطبع وكبح لنوازع الكسل والاستسلام.. وهبة روحية مضادة للقصور الذاتي المادي للإنسان.. ثورة على المألوف.. الهجرة بالنسبة للإسلام نقلة من حال إلي حال..  فقد كان قبل الهجرة «إسلام سلبي» خلال 13 سنة، وبعد الهجرة تحول إلى الضد فأصبح موقفه إيجابي من الباطل، فإذا حورب يحارب.. وإذا جوبه بالقوة يصد بقوة أكبر.. وبعد الهجرة بدأ عصر الغزوات ثم الفتوحات.. فكانت الهجرة هي بداية إرادة التغيير».
وتختصر الهجرة دروسا وعظات كثيرة، علينا أن نسترجعها في كل مناسبة لعلها تنفع الأجيال الجديدة من الشباب وتدفعهم إلى التغيير الإيجابي، فالهجرة هي سنة كونية ضربها الله لنا كي تحفزنا لرفض الاستسلام للظلم أو الهزيمة أو الفشل، وإنه إذا ضاقت بنا السبل يجب أن تهب أرواحنا وتسحبنا إلى فضاءات جديدة وتجارب مختلفة ربما نحصد ما لا نتوقع، وتتبدل مصائرنا نحو الأفضل.
كل عام هجري وأنتم بخير.

 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 28 أغسطس2019


الأحد، 4 أغسطس 2019

المحبة في الله



أدهشتني وأسعدتني حالة الاحتفاء والاحتضان التي استقبل بها فضاء «السوشيال ميديا» في العالم العربي قصة حب الفنان المصري القدير رشوان توفيق وزوجته التي غادرت الحياة قبل أيام، لتسطر بموتها فصلا جديدا من «أسطورة حب» رعاها الله وباركها فأثمرت هذه السيرة العطرة التي جعلت كثيرين يتأملونها ويبحثون عن تفاصيلها وكلهم أمل أن يمن الله عليهم بقصة جميلة مشابهة تربطهم مع من يحبون.
في السادس عشر من يوليو 2019 أعلن خبر وفاة الزوجة، وتناقلت وسائل الإعلام صور الفنان الزوج وهو يبكي فقيدته عقب الصلاة عليها بمسجد السيدة نفيسة، واستدعي الجمهور على الفور حوارات سابقة للفنان الأصيل رشوان توفيق وهو يتحدث بكل المحبة عن زوجته أثناء فترة مرضها العضال التي استمرت ثلاث سنوات ظل خلالها رفيقا وجليسا لها وحريصا اشد الحرص على خدمتها وراحتها، واختزل الحاج رشوان (كما يلقب في الوسط الفني) قصته مع زوجته التي تزوجها وهي في سن 17 عام ليستمر زواجهما وحبهما أكثر من 55 عام، قائلاً: «أراد الرحمن أن يحفظني بزواجي منها».
يتلقف المجتمع بتعطش ولهفة قصص الحب النادرة التي يمتد فيها الحب ويتصل ويتبارى فيها المحبين (رغم كبر سنهم) في التعبير عن عشقهم واهتمامهم بأحبابهم، ونستشعر هذا العطش عندما ترى من تكتب عبر حسابها على «فيس بوك» راجية الله أن يرزقها «حب النبي للسيدة عائشة»، وتجد آخر يتوسل إلى الله أن يرزقه «الزوجة الصالحة»، كما أن متابعة التعليقات على فيديوهات أو صور الحب تؤكد هذا التعطش وتعكس حجم الأزمة.
الأزمة التي لن يلخصها أن تقول أننا نحيا في عصر أنتشر فيه الطلاق، وأصبح هو الأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة،ـ رغم أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد نفى ما تردد حول تصدر مصر المرتبة الأولى عالمياً في الطلاق، مؤكدا أن  معدل الطلاق في مصر بلغ 2.1 لكل ألف من السكان لعام 2017، وهذا المعدل من المعدلات العادية على مستوى العالم، لكننا لا يمكن أن نخفي تفشى الطلاق في المجتمع المصري في السنوات العشر الأخيرة، وانتشار ظواهر مثل الانفصال العاطفي بين آلاف الأزواج، ونفور الأجيال الجديدة من «الجواز» ولجوئهم إلى علاقات مشوهة تفسد معنى «مشروع الزواج» وتفقده قيمته ومعناه، وتجعله أبعد ما يكون عن مساره القويم الذي حدد له المولى عز وجل إطارا شرعيا يغلفه المودة والرحمة ويزاوجهما في محبة الله، لتكن هي العلاقة الأصل التي بارك فيها الله استمرارية الحياة وبقاء الجنس البشري.
ويحلو للبعض تجريد علاقة الرجل والمرأة من إطارها الشرعي، ويتفننوا في تقديم تفسيرات شيطانية للحب، كلها وصلت بهم إلى الفشل والانهيار والانتحار، لقد زاد الشقاق بين «أدم وحواء» في زماننا لأنهما أدمنا الشجرة المحرمة، ورفضا أن يتعلما من درس أول «أدم وحواء» ويدركا أن المحبة لله وحده لا شريك له.
إنها معادلة ربانية لأهم علاقة إنسانية، تتصل المحبة بفضل الله الذي يؤلف بين القلوب، ويربط بينها برباط مقدس ويظلها بظله في الدنيا والآخرة.
رزقنا الله وإياكم «المحبة في الله».


 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 31 يوليو2019




الأربعاء، 12 يونيو 2019

الممر.. غير المقدس



استشعرت خلال الأيام الماضية حالة «شاذة» في التعامل النقدي والإعلامي مع فيلم سينمائي يعرض في سباق «أفلام العيد» الموسمي، والذي بدأ قبل أسبوع مع أول أيام عيد الفطر المبارك. الفيلم هو «الممر» الذي كتبه وأخرجه المبدع شريف عرفة، والذي يصنف تحت فئة «الأفلام الحربية» وهو النوع الأقل تواجدا في تاريخ السينما المصرية الذي تجاوز (6000 فيلم) في أكثر من مائة عام، وترجع قلة الأفلام العسكرية لاحتياجها إلي ميزانيات ضخمة وإمكانيات تقنية وتكنولوجية مكلفة، وهو ما يصعب توافره في «بلد فقير».

وتسجل ذاكرة السينما المصرية كثافة في الإنتاج وصلت إلي 6 أفلام روائية  (متواضعة فنيا وإنتاجيا) تم عرضهم في منتصف السبعينات من القرن الماضي (ما بين عامي 1974 و1978)، يمكن وصفهم مجازا بـ «أفلام حربية»، تناولت بطولات الجيش المصري عقب نكسة يونية وخلال حرب الاستنزاف  ثم رصدت معجزة النصر في أكتوبر 1973،  وقائمة  الأفلام تتضمن: «الرصاصة لا تزال في جيبي» و«بدور» و«أغنية على الممر» و«أبناء الصمت» و«حتى أخر العمر» و«العمر لحظة»، انضم إليهم 4 أفلام أخرى في عهد مبارك: «الطريق إلى إيلات» و«حكايات الغريب» و«حائط البطولات» و«السادات».

لهذا لا أخفي سعادتي بنجاح «الممر» ومستواه الفني الفريد، عكس ما قدم من إنتاج هزيل في الماضي فشل في تجسيد حقيقي لقدرات العسكرية المصرية في الفترة من 1967 إلى 1973، وقد حصل الفيلم على المركز الثاني في سباق العيد محققا 14 مليون جنيه في أسبوع عرضه الأول. وظني أن نجاح الفيلم يعد حافزا مثاليا لإنتاج المزيد من الأفلام العسكرية وتطوير مستواها في المستقبل، فمن حقنا أن نحلم بأن تنافس أفلامنا الحربية (وغيرها) في مهرجانات دولية وتحصد إحدى الجوائز الرفيعة في «كان» أو «البندقية» أو «برلين» أو حتى في مهرجان القاهرة السينمائي، لا مبالغة في هذا بعد ما رأيناه من قدرات فنية مبهرة قدمها رجال «الممر»  البواسل بقيادة مخرجه القدير وبدعم سخي ومستنير من الأجهزة المعنية.

لكن ما يعوق هذا التطور (في السينما وكافة مجالات الفن والإعلام) ويقف حاجزا أمام الحلم، هو ما استشعرته من وجود اتجاه لفرض  القداسة على فيلم «الممر» وتنزيهه عن كل نقص، وعدم الترحيب بأي نقد موجه له، وإرهاب كل محاولة نقاش موضوعي حول الفيلم، بإصطناع طوفان من الإطراء الإعلامي المبالغ ، يجعل أي «ناقد» للفيلم في مرمى النيران (مَلُومًا مَّحْسُورًا).

لا شك أن الفيلم هو الأفضل في قائمة الأفلام العسكرية المصرية، لكن هذا  لن يمنعني من قول: «أن السيناريو سيء»، ولا يرتقي لمستوى العناصر الفنية الأخرى وفي مقدمتها التمثيل والموسيقى التصويرية والتصوير والإخراج،  كما أن تناول مبررات «نكسة يونية» وفق الرواية الإسرائيلية في بداية الفيلم (كي يبدو فيلما محايدا) يجعل جمهور المشاهدين وخاصة الأطفال والشباب لا يتعاطفون مع  بلدهم، فالفيلم يشعرك أن مصر هي التي تحرشت بإسرائيل وأشعلت الحرب، ويركز الفيلم أيضا في دقائقه الأولى على التصعيد المصري، منطلقا من مشهد لاجتماع قيادات إسرائيلية ترصد وتحلل السيدة أم كلثوم وهي تشدو بأغنيتها الوطنية «راجعين بقوة السلاح» التي كتب كلماتها صلاح جاهين ولحنها رياض السنباطي وغنتها كوكب الشرق في الأول من يونيو عام 1967، وكلمات الأغنية تحرض على الحرب ويظهر في التصوير «ملقن» يجلس خلف سيدة الغناء العربي ربما للمرة الأولى في تاريخها الغنائي  وهو ما ينتبه له الإسرائيليين ويبشرهم بعدم (جاهزية) المصريين.. ويبشرنا بأن الفيلم ينوي إيلامنا قبل أن يسعدنا ببطولة أبناء جيشنا. ورغم ذلك يحسب للفيلم أنه نشط ذاكرة المصريين وثبت في وجدانهم الجمعي أن عدوهم الحقيقي هو.. إسرائيل.

وأخيرا ما هو مبرر «أرجزة» الصحفي في «الممر» وهي الشخصية التي جسدها الموهوب أحمد رزق ممثلا لمهنة الصحافة العريقة في هذه الملحمة الوطنية، وما سر اختيار اسم «إحسان» لهذا (الأرجوز)، وهو الأسم الذي عرفنا به واحد من أبرز أساتذة المهنة وابائها المؤسسين، أستاذنا الراحل إحسان عبد القدوس؟!. أتفهم حق المخرج في خلق شخوص عمله كما يريد ويتخيل، لكن لا أظن أن حريته مطلقة في عمل ضخم يخلد صفحة من أنصع صفحات التاريخ المصري الحديث.



نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 12 يونية 2019


التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...