الجمعة، 19 أكتوبر 2012

مشكلة الإسلام 1


لا حول ولا قوة إلا بالله، هل يمكن أن يتحول الإسلام إلى مشكلة؟ سؤال مثير وساخن أرجو ألا يتوقف عنده القارئ قبل أن يستكمل رحلته مع سلسلة من المقالات التي ستتوالى تحت هذا العنوان.
بداية، المشكلة ليست في الدين الذي تحول على أيدينا إلى مشكلة، فأمور كثيرة في حياتنا تحولت بفعل الجهل إلى مشاكل مزمنة.. ولعل ما حدث في ميدان التحرير يوم الجمعة 12 أكتوبر 2012 وتداعياته تؤكد مدى ما بلغناه من جهل، وتنذر بما هو قادم.
حفظ الله مصر.
ولكن متى أصبح الإسلام مشكلة، وكيف يمكن أن يتحول «دليل هدى» إلى «مرشد ضلال»، وكيف ينقلب النور إلى ظلمة، وكيف تتبدل راحة القلوب وسماحتها إلى غلظة وقسوة وحقد؟ أسئلة كثيرة تستنطق الصمت الذي خيم على المصريين، وتدفع كل مهموم بقضايا هذه الأمة إلى أن يجتهد في بحور الإجابات.
وفي سياق هذا الإبحار، سألتقط من التاريخ الحديث «لحظتين».. أعتقد أنه حتى الآن لم يستطع العقل المسلم المعاصر هضمهما بشكل طيب، وشكلتا لديه حالة من عسر الهضم والفهم والامتصاص، وهو ما ساعد على بقائنا لقرنين من الزمان في حالة انتفاخ فكري؛ شفانا الله وإياكم من شره.
أما اللحظة الأولى فهي: الحملة الفرنسية على مصر 1798-1801 ميلادية، والثانية كانت: سقوط الخلافة العثمانية عام 1923، وأعتقد أن كل الأحداث التي مرت على أمتنا الإسلامية في العصر الحديث كانت أسيرة لهاتين اللحظتين، وأعتقد أن اللحظة الثالثة التي تقاربهما في الثقل على الإسلام والمسلمين هي لحظة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى حكم مصر قبل أشهر من عامنا هذا 2012، وسأترك الزمن ليحكم على عمق تأثير اللحظة الثالثة ومدى أهميتها في سياق التاريخ الإسلامي.
وأمام اللحظات الثلاث تجسدت مشكلة الإسلام، أو مشكلتنا مع الإسلام، وبدلا من أن يدفعنا زخم هذه اللحظات ودوي تأثيرها إلى الاجتهاد والتعقل، سقطنا في بئر الصراعات والخلافات، وأمام كل لحظة تجسد انشطار الأمة إلى فصيلين متصارعين يدعى كلاهما احتكاره الحقيقة.    
وتمثل هذه القناعة أولى ملامح الجهل الذي أدخلنا هذا السرداب، الذي لم تفلح كل الجهود في أن تخرجنا منه طوال أكثر من قرنين من الزمان.
لو فهمنا ثقافة الاختلاف، وتعملنا قبول الآخر وبحثنا دوما عما نتفق فيه كي نتقارب، لكنّا أنهينا هذا الليل الذي طال بأكثر من قدرته على الاحتمال.. ولو كنا شعرنا بإسلامنا، لذابت قلوبنا في فيض نوره.
وفي تشخيصه البديع لمشكلتنا مع الإسلام، أوجز كاتبنا الكبير الأستاذ خالد محمد خالد، رحمه الله، قائلا: «إننا من طول ما ألفنا بعض الآيات القرآنية، وبعض الأحاديث النبوية، أصبحنا لا نهتز من أعماقنا للسر الباهر الذي تحمله، والحكمة الثاقبة التي تمنحها».

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

المسجد السياسي


تحرر المصريون بعد يناير 2011 من عبودية الأفكار النمطية وأخرجوا عقولهم من الكهف المعتم، وتمردوا على السير في ركب القطيع خلف الحاكم وأعوانه. وإذا كان تحرير العقل المصري هو القيمة التي حصدناها خلال عامين من الشقاء المتواصل، فهي نعمة كبيرة يجب ألا نفرط فيها ونعود لسابق عهدنا من الاستسلام والتسليم، فنجد أنفسنا أمام سيناريو مكرر لفساد نظام الحكم، وهو الفساد الذي يحدث بسبب رئيسي؛ هو سلبيتنا وتكاسلنا عن ممارسة دورنا بصفتنا شعبا يختار ويقيم ويحاسب حكامه بمنتهى الحزم والقوة.
طالت مقدمتي، ولكنها صلب في ما أنتوي الحديث عنه، وحديثي عن مستحدثات ولدت من رحم «يناير» ورسمت ملامح حياتنا السياسية المعاصرة؛ ويأتي على رأسها دخول السياسة إلى المسجد بعد أن كانت من المحرمات ومن الجرائم التي يعاقب عليها القانون في عصور سابقة، وولّد هذا الدخول جدلا مجتمعيا كبيرا وصل إلى حالة من التراشق بين القوى السياسية، وهو أمر لن يصل بنا إلى نتائج إيجابية نرجوها جميعا.
أرى أنه على المجتمع أن يعيد التفكير في هذه القضية ويقننها بشكل يتناسب مع احتياجاته، خاصة بعد أن أصبحت أمرا واقعا.. فكل مساجد مصر أصبحت منابر سياسية تعبر عن قوى إسلامية تمارس السياسة، وحتى يحدث هذا التقنين يجب أن يتواصل حوار ناضج بين التيارات المختلفة.. نناقش فيه قضية السياسة داخل المسجد، وأيضا داخل الكنيسة، والجامعة، والمدرسة، وكل مؤسسات الدولة التي يمكن أن تستثمر من بعض القوى الحزبية لممارسة عملها السياسي، مع ضرورة أن نضع في الاعتبار تجارب الماضي في المنع والسماح بدخول السياسة إلى هذه المؤسسات وتأثيراتها السلبية والإيجابية على المجتمع وتماسكه. 
وربما يكون «المسجد السياسي» هو الأكثر إلحاحا في هذه اللحظة، خاصة بعد أن تنامت شجرة الإسلام السياسي وتباينت فروعها وثمراتها.. ورغم التحالف الظاهري بين هذه الفروع في مواجهة التيار المدني، فإن بوادر الاختلاف والانقسام والتصارع بدأت تلوح في الأفق، وهو نذير شر علينا أن نتجنبه.. كما أن ممارسة السياسة في دور العبادة ستسمح لإخواننا الأقباط بأن يفعلوا المثل في كنائسهم.. فهل يحتمل المجتمع ذلك؟ لا أدري، وليست لدي إجابات مجهزة عن هذه المعضلة.
ولعلي أقبل ما قاله الأستاذ حسن البنا، رحمه الله، في «رسالة بين الأمس واليوم»: «إذا قيل لكم: إلامَ تدعون؟ فقولوا: ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه. فإن قيل لكم: هذه سياسة! فقولوا: هذا هو الإسلام، ونحن لا نعرف هذه الأقسام«.
كما أقبل فكر الليبرالية الداعي لفصل الدين عن السياسة، وجعل «ما لله لله، وما لقيصر لقيصر»، فهو نتاج تراكم معرفي وخبرات إنسانية عظيمة خاضتها البشرية ووصلت فيها إلى نتيجة اعتقدت أنها الأصوب تتيح لأصحاب ديانات مختلفة أن يعيشوا في سلام تحت سماء وطن واحد.
كلاهما صحيح، لأن للحقيقة وجوها عدة ومذاهب شتى كلها على صواب وكلها أحق أن تتبع، لكن خصوصية مصر تجعل الاختيار بين «الدينية» و«المدنية» شديد الصعوبة والخطورة.. لهذا، فالأمر يحتاج إلى تنوير وتفكير وحسن تدبير لصناعة اختيار بديل يحقق التوافق المجتمعي المرتجى.

نشر هذا المقال في جريدة صوت الأزهر في عدد الصادر يوم الجمعة 12 أكتوبر 2012

الجمعة، 5 أكتوبر 2012

جسر الأزهر



أرى، ومعي كثيرون، أن الأزهر الشريف هو الحصن الأخير الذي يحتمي به الدستور الوليد المنعقدة لجنته التأسيسية برئاسة المستشار حسام الغرياني لوضع اللمسات الأخيرة عليه قبل طرحه للاستفتاء الشعبي خلال أسابيع قادمة.. ونوع الحماية المطلوبة من الأزهر؛ شيخا ومؤسسة، هو فض الاشتباك الديني المثار دائما بين أطراف عدة بالمجتمع تطالب بنصوص أو ضوابط دستورية وفق تفسيرها الخاص وقراءتها المرجعية للإسلام.
ورغم ضغوط عديدة تمارس على الأزهر - لا تخطئها عين - فإن فضيلة الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب يجاهد بصبر ومثابرة كي يلعب هذا الدور المحوري والمؤثر في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ الأمة، منذ أن نجح في أن يجمع توافق القوى السياسية على «وثيقة الأزهر» الشهيرة وحتى اجتماعات الأسبوع الماضي مع القوى الليبرالية والإسلامية لحسم خلافات كبيرة شقت الصف داخل الجمعية التأسيسية للدستور، ودفعت البعض للتلويح بالانسحاب من الجمعية اعتراضا على رغبة البعض الآخر من القوى السياسية في فرض رأي أو ترجيح تفسير يعتقد صوابه..
وهو ما عالجه الإمام الأكبر بحكمة وهدوء، أعادت السكينة إلى المجتمعين وأذابت جزءا كبيرا من الخلافات والاختلافات، فعاد الجميع إلى اجتماعاتهم لبحث التفاصيل النهائية لأبواب الدستور الذي تنتظره جموع المصريين.
وخلافات الرأي أمر بديهي في وضع دستور جديد لأي دولة في العالم، تحلم أن تضع بهذا الدستور لبنات أولى لمستقبل تظنه أفضل، ولما كانت الطموحات كبيرة في دستور مصر بعد 25 يناير 2011، فإن الخلاف طبيعي، لكن أخطر ما يواجه هذه الخلافات هو «أسلمتها»، فهذا الخلاف الديني يضعنا في مأزق الانزلاق إلى فتنة، ويزيد من صعوبة الموقف حالة الاستقطاب المجتمعي التي شطرت المجتمع إلى نصفين، ينظر كل «نصف» للآخر بريبة وشك وتربص.
وهذا هو مربط الفرس في مقالي هذا.. إني أرجو فضيلة الإمام الأكبر أن يدعو كل القوى السياسية والدينية في مصر إلى مؤتمر عاجل للمصالحة الوطنية في رحاب الأزهر الشريف، ليعيد النصفين كليهما لبعض، ويكون المؤتمر هو «الجسر» الذي تعبر عليه مصر من كبوتها إلى مستقبل مشرق نتمناه لها بسواعد أبنائها.  
إن نبرة العداء والاتهامات المجانية المتبادلة بين أطراف العمل الوطني في مصر، أصبحت كارثة تعرقل مسيرة الوطن نحو بناء مؤسساته الوطنية، كما أن اتساع الهوة بين تياري السياسة المصرية - الديني والليبرالي - يجبرنا على أن نبني هذا الجسر وبأسرع وقت ممكن، ولا يوجد أمامنا اختيار بديل إلا الأزهر الشريف؛ منبر التسامح والعقلانية في مجتمع يعيش تخبطه الثوري ويبحث عن دليل يهديه.
إن رجائي إلى فضيلة الإمام الأكبر مبعثه اقترابنا من لحظات كثيرة فارقة تحسم مصير الدستور وجمعيته، ولحظات أشد قسوة سنشهد فيها أشرس انتخابات برلمانية ستعرفها مصر في تاريخها السياسي، لذا، وقبل أن تسرقنا شهوة السلطة إلى صراع لا ينتهي إلا بالدم، فإن المصالحة أصبحت فرض عين على كل مصري كي تصبح المنافسة شريفة ونزيهة.. وحقيقية.

نشر هذا المقال في جريدة "صوت الأزهر" عددها الصادر 5 أكتوبر 2012

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

حمد لله ع الكتابة / طقس جديد للتعذيب



بأمسح تراب ناعم


مخلوط بالندى


بقايا ليلة مترددة ..


متأكدة ..إن الشجرة إياها


أم خد ناشف وعينين مقرمشين


نامت في إيدي


ولا دابت لما فركت لحظاتنا اللي كانت جميلة


ده طقس جديد للتعذيب


ولا احتفال بعودة الدهشة


((حمد لله ع الكتابة))


بأرسم كل خطوط الحياة بالتوازي


اللقا لحظة ..


أوعاك تنتظرها ..


مين ده اللي يقدر !!


البلياتشو اللي عتق في السندرة


ولا عسكري الدورية ..


اللي خطفه الموت في عز اندماجه


كل البلاد اللي شبهك اتجوزت ..


ومافضلش غيرك مدينة حنينة ..


مخلوطة بالندى وترابها ناعم


لما باعمل مش فاهم .. بأبقى وطن


ولما بافهم .. بتبقي وردة بيضا


دبلانة.. في إنتظار الربيع 

الثلاثاء، 31 مايو 2011

مسرح الجلاء .. وسر اللقاء ..

يلتقي غدا ممثلو ائتلافات شباب ثورة يناير مع عدد من قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مسرح الجلاء (العسكري)، بناء على دعوة مفاجئة بثها المجلس عبر موقعه الرسمي على شبكة التواصل الاجتماعي «فيس بوك» في رسالتيه 60 و61.

وتعالت أصوات الشباب بين رافض ومتحمس لهذا اللقاء، وتطايرت في أجواء القاهرة أسماء ائتلافات لا حصر لها، لا يملك أي مراقب أن يقصي أحدها أو يستثنيه من الحوار، فالإطار الذي حدده المجلس للحضور يسمح بأن يتوافد غدا أكثر من مليون شاب بدعوى أنهم من شباب الثورة.

وبينما أعلنت جماعة الإخوان مشاركة شبابها، أعلن ائتلاف شباب الثورة رفضه الحضور، وهو ما يؤجج الصراع ويشعله بين التيارين، والذي وصل ذروته في «جمعة الغضب الثانية».

ورغم كل ذلك، فإن سؤالين يشغلان بال أي مراقب، هما: من سيحضر غدا؟، وما هدف الجيش من اللقاء؟

والإجابة عن السؤال الأول تحتاج إلى خيال خصب، وساخر أيضا، يرى المشهد الدرامي الذي تتصدره حشود الشباب المتجهة إلى ضاحية مصر الجديدة، حيث يقع مسرح الجلاء، وهو المكان الذي اختارته أيضا مجموعة من الناشطات ليقفن أمامه في وقفة احتجاجية تنديدا بما حدث من الجيش أثناء فض اعتصام 9 مارس (آذار)، وما أثير عن قصة «فحص العذرية» التي في ظني أن أساسها من الصحة ضعيف ويحتاج إلى مواجهة صريحة من الجيش مع الرأي العام لحسم الأمر، رغم أن هناك تصريحات تناقلها الإعلام أمس لمسؤول عسكري بارز تؤكد حدوث الفحص، لكنها تصريحات مجهّلة، مما يفقدها الحسم، كما أنها تحتاج إلى وقفة قوية في حال صحتها، حيث قال مبررا دوافع الجيش إلى ذلك، بأنه «الخوف من أن يدعين بعد ذلك تعرضهن للاغتصاب على أيدي السلطات المصرية».

نعود إلى لقاء المسرح وشبابه، هل توقع أحد عددهم؟، أعتقد أن هناك تقديرات وضعت أمام قيادات الجيش، خاصة مع توقع البعض حدوث حالة ازدحام غير مسبوقة ربما تتسبب في إفشال اللقاء قبل انعقاده، وحتى لو ضمن الجيش - بما له من قدرات تنظيمية قوية - أن يضبط الأمر فيما يتعلق بالحشود، فمن يضمن ألا تحدث خلافات ومعارك على غرار الحوار الوطني والوفاق الوطني اللذين أسسا لـ«فقه التناحر والتطاحن» بين الفرق الثورية في مصر، وأصبحنا أمام مسلّمة أن الحوار لا بد أن تصاحبه «خناقة» كي تكتمل ملامحه.

هناك رأي آخر، يؤكد أن اللقاء سيخرج مثاليا، ومفاجئا للجميع، ودعم هذا الرأي إعلان الإخوان حضور شبابهم للقاء، ويستند هذا الرأي إلى قدرات الإخوان على السيطرة على اللقاءات الجماهيرية لما لهم من خبرات كبيرة في هذا المجال.

ويرى البعض أن مشاركة الإخوان تأتي كرغبة في تأكيد دورهم لدعم أفكار ومواقف القوات المسلحة وبرامجها وأنشطتها في إطار التحالف التكتيكي غير المعلن بين الطرفين، وهو التحالف أو التفاهم الذي أجمع عليه عدد كبير من المحللين.

أما هدف الجيش من اللقاء، فلا يخفى على أحد أنه رد فعل لمظاهرات «جمعة الغضب الثانية»، وتتبلور السخرية في أن من دعا لهذه الجمعة وأسهم في نجاحها، (وهو ائتلاف شباب الثورة)، قد أعلن عن عدم مشاركته في اللقاء، ليكتب بهذا شهادة وفاة هذا اللقاء قبل أن يولد وليقضي على هدف الجيش في المهد.

ولهذا أنصح كل الحريصين على الحضور من الشباب من مختلف القوى الوطنية الأخرى ألا يجهدوا أنفسهم ويتكلفوا عبء الحضور المجهول، فاللقاء لن يخرج عن كونه حدثا إعلاميا، ولن يثمر عن شيء حقيقي كعادة كل اللقاءات السياسية المصرية التي أعقبت ثورة يناير، فالحماس وحده لا يكفي لصياغة مستقبل أمة تتحرك إلى مفترق طرق سياسي، دون أن تتفق قواها الفاعلة على أجندة واضحة.


الجمعة، 25 مارس 2011

الرئيس القادم لمصر.. والبحث عن «كبس النور»



أرى ومعي كثيرون أن شخص الرئيس القادم لمصر هو الموضوع الأهم في هذه اللحظة الفارقة التي تنجرف فيها البلاد إلى مجهول، رغم ما سيغرقنا فيه هذا الموضوع من أحاديث الساعة في مصر، وتفاصيل هذه الأحاديث، من أمور باتت تحتاج إلى علماء في كل مجالات الحياة لتفسير التفاصيل وتحليل التأويل، وربما تحتاج إلى عرافة لـ«فتح المندل».

لقد تشكلت هذه الحالة الملتبسة، بعد أن أخذنا استفتاء 19 مارس (آذار) - الذي أجري على حزمة من التعديلات الدستورية حصلت على موافقة الأغلبية - إلى نفق مظلم انحشر فيه جميع المصريين، سواء من قالوا نعم أو من قالوا لا. وبدأ الجميع يتخبط بحثا عن «كبس النور» لإضاءة الوطن المظلم، وكنا قبل هذا الاستفتاء نتحسس طريقنا وسط «بصيص نور» تولّد في مصر بفعل شعلة الثورة الوطنية المخلصة التي هدفت منذ لحظتها الأولى إلى بناء مصر الجديدة، وهي الشعلة التي أطفأها ما جرى في الاستفتاء وليس نتيجته.
أعلم قسوة تعبير «الوطن المظلم»، ولكنها الحقيقة المرّة والنتيجة الحتمية لنظام قمعي استمر في حكم مصر طوال 30 عاما، استغل فيها ذراعيه في الإعلام والثقافة لتجريف العقل المصري، ففسد وطاله العطب، لدرجة تستدعي تغييره تماما، وليس تغييبه بسحر الدين كما يحدث الآن.
نظرة سريعة على المشهد السياسي المصري تدلل على ما أقول، يتصدر المشهد تعبير «غزوة الصناديق» الذي أطلقه أحد مشايخ السلفية، محمد حسين يعقوب، في وصفه لاستفتاء التعديلات الدستورية، وتتخلله قصة حكاها لي سائق تاكسي أوقعني حظي العثر لقضاء ساعة معه في «توصيلة» لا تستغرق دقائق بفعل فوضى الزحام المسيطرة على كل شوارع القاهرة. باغتني السائق بعد دقائق من ركوبي معه قائلا: «شفت اللي حصل للبرادعي يا باشا»، وأكمل بعد أن نعته بمختارات من قاموس «الشتيمة» المصري، موضحا: «خد علقة موت.. عشان يتأدب.. قال كان رايح المقطم يوزع فلوس على الناس وجايب معاه بنته كمان.. شفت الاستهبال يا باشا».
ولن أستطيع أن أكمل حديث السائق لما احتواه من ألفاظ يعاقب عليها القانون، وصف بها الدكتور البرادعي وابنته، وهو حديث لا علاقة له بالواقع إلا تعرض البرادعي للاعتداء في المقطم.
إن قصة هذا السائق تعبر عن مستوى متدن من التحفيز ضد رجل حائز على أرفع تقدير من الدولة المصرية بخلاف مكانته الدولية، وهو تحفيز كان قد بدأ بقوة وقسوة في عهد الرئيس السابق مبارك.
ما حدث مع البرادعي في المقطم واقعيا، وما تم تناقله بعد تحريفه من قصص ملفقة عن هذه الواقعة وقد ردده أكثر من شخص أمامي، يوضح نية ما لاغتيال البرادعي معنويا، وهو ما فسره لي أحد المقربين من دوائر الحكم في مصر بأن هناك نية لإضعاف فرصته في تولي منصب رئيس الجمهورية.
إن بورصة المرشحين لمنصب الرئيس القادم لمصر قد بدأت في التداول مبكرا، وقبل استفتاء 19 مارس بأيام، وضمت قائمة المرشحين سبعة أسماء، أعلنوا بشكل واضح عن رغبتهم في ذلك، منهم ثلاثة من أبناء مدرسة وزارة الخارجية المصرية؛ وهم عمرو موسى، ومحمد البرادعي، وعبد الله الأشعل. وثلاثة ينتمون للمعارضة المصرية؛ وهم حمدين صباحي، وأيمن نور، وهشام البسطويسي. وأخيرا الفريق محمد علي بلال، وهو قائد عسكري سابق للقوات المصرية في حرب تحرير الكويت عام 1991.
وهناك أربعة أسماء أخرى تم طرحها بقوة، منها اثنان ينتميان سابقا للمؤسسة العسكرية؛ وهما أحمد شفيق، وعمر سليمان، رغم التراجع الحاد في شعبيتهما بعد الثورة. واثنان ينتميان لتيار الإسلام السياسي؛ وهما القيادي الإخواني عبد المنعم أبو الفتوح والداعية الإسلامي عمرو خالد. جميعهم لم يعلن عن رغبته، لكن هناك من مريديهم من يطالبهم بالترشح، سواء من خلال تجمعات جماهيرية أو «جروبات» على «فيس بوك».
وبعيدا عن الأسماء القابلة للزيادة والتضاعف، خلال الأيام المقبلة، وبعيدا أيضا عن فرص هذه الأسماء في النجاح من عدمه، فقد أحدث الاستفتاء الأخير ونتائجه مفارقة هامة جديرة بالملاحظة وهي أن كل هذه الأسماء كانت في الجبهة المهزومة مع من قالوا «لا» في الاستفتاء الأخير، أي أنهم في جبهة الأقلية، مما يضعف فرصتهم في الفوز، وهو ما فسره المصدر السابق قائلا: «اسم رئيس مصر القادم لم يطرح بعد على الرأي العام.. وملف هذا الرئيس المرشح ربما يكون موجودا في درج مكتب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة وسيخرج في الوقت المناسب».
كان المفكر المصري الدكتور مصطفى الفقي قد تعرض لهجمة شرسة قبل عام، عندما صرح بأن رئيس مصر القادم لن يأتي إلا بموافقة أميركية - إسرائيلية؛ حيث قال نصا في حوار أجرته معه صحيفة «المصري اليوم» القاهرية: «لا أعتقد أنه سيأتي رئيس قادم لمصر وعليه فيتو أميركي ولا حتى اعتراض إسرائيلي للأسف».
فتحت كلمات الفقي - الذي عمل لسنوات داخل مؤسسة الرئاسة المصرية - الطريق مبكرا، وفي عهد مبارك، للحديث عن القوى المؤثرة في اختيار رئيس مصر القادم، وقتها كان الشعب المصري يقف موقف المتفرج، لكن اليوم وبعد ثورة يناير أصبح لهذا الشعب دور رئيسي في هذا الاختيار، أما الأدوار الخارجية سواء لأميركا أو إسرائيل أو غيرهما من دول عربية أو إقليمية، وعلى رأسها إيران، فهو ما سيدفعنا للحديث عمن يؤثر على هذا الشعب.
لقد أثبت استفتاء 19 مارس أن الدين هو المحرك الرئيسي الذي يدفع المصريين إلى الموافقة أو الرفض لأي اختيار سياسي، وهو ما كشف عنه بوضوح الصراع بين الحركة الإسلامية والأقباط، والذي كشف عن ضعف النخبة المثقفة من الحكماء، وأوضح مدى حاجة شباب الثوار للوقت كي يشتد عودهم في معترك الحياة السياسية بألاعيبه ودهاليزه.
وعليه تصبح جماعة الإخوان المسلمين، بما لها من تاريخ وثقل تنظيمي، على قمة الهيكل السياسي المصري الهش، هي القوة الأكثر تأثيرا، يأتي بعدها مباشرة الأقباط - عددا وليس تنظيميا - وبفعل الظلام ستزداد حالة الاستقطاب بين المسلمين والأقباط، وهو ما ستؤكده الأيام المقبلة، خاصة مع ضغط الوقت المتبقي على الانتخابات، سواء البرلمانية أو الرئاسية؛ فأزمة اختيار الرئيس هي نفسها أزمة اختيار نواب البرلمان، فلن يمتلك القدرة على الحركة وسط الظلام إلا خفافيش الظلام.
رحلة البحث عن «كبس النور» وسط الظلام تدفع الناس للتحرك في قطيع يتحسس طريقه بصعوبة، يخطئ ويتعثر دائما، وهو ما سيجعل حالة الظلام مستمرة لفترة أطول، لأن فيها منفعة لأصحاب المصالح والراغبين في القفز على حكم مصر، المزعج حقا أن يحدث هذا في حماية الجيش.
إن حياة الظلام التي نعيشها في مصر، جعلتها مرتعا للشائعات والفوضى، بشكل لا يحتمله جسدها المرهق بعد رحلة فساد طويلة، مما جعلها ترتكن في يأس على حائط الدين مصدر الأمان الوحيد في هذه اللحظات الخائفة، وهو ما تم استغلاله - وسيتم - بصورة أكثر شراسة في المراحل المقبلة.
ولن أجد تأكيدا أفضل على هذا، إلا كلمات الشيخ محمد حسين يعقوب التي أعقبت حديثه عن «غزوة الصناديق»؛ حيث قال: «الدين هايدخل في كل حاجة.. مش دي الديمقراطية بتاعتكم.. الشعب قال نعم للدين.. واللي يقول البلد ما نعرفش نعيش فيها بالطريقة دي.. انت حر.. ألف سلامة.. عندهم تأشيرات أميركا».

الخميس، 17 مارس 2011

استفتاء مصر.. ما أقدرش أقول «آه» وما أقدرش أقول «لأ»



لا أعتقد أن الموسيقار الراحل فريد الأطرش كان يتخيل أن أغنيته الرومانسية «ما أقدرش أقول آه»، التي صاغها ببراعة الشاعر الغنائي مأمون الشناوي، ليزين بها فيلم «تعالى سَلِّم» الذي أنتج عام 1951، سوف تصبح لسان حال المواطن المصري عام 2011 وذلك كلما اقترب الزمن من يوم الاستفتاء الموعود، غدا السبت 19 مارس (آذار).
يعرف المصريون عن «امتحان السبت» أن أمامهم خيارين ظاهرين هما (لا) أو (نعم) لحزمة التعديلات الدستورية، التي أعدتها لجنة قانونية راقية استعان بها المجلس العسكري الحاكم في مصر، لكن باطن الأمر أعمق وأكثر إثارة وخطورة. إن مصر في هذا «السبت» تدخل امتحانا فاصلا في تاريخها، فهي إما أن تقول للعالم إن ما حدث في يناير (كانون الثاني) الماضي كان ثورة، أو أنها كانت نصف ثورة توقفت عند حد الانتفاضة الشعبية.
ولكي نزيد توضيحا، من سيقول (لا) فهو يكمل جملة مفيدة تقول: لا.. لأن ثورة يناير 2011 هي ثورة شعبية كاملة، خلقت شرعية جديدة تقضي على ما قبلها من هياكل للدولة المصرية، وترفض الشكل السياسي القديم وتدعو لإعادة بنائه بالكامل، ولا سبيل لذلك إلا بدستور جديد، ولهذا نرى أن تبقى مصر في فترة انتقالية تنقضي وفق اختيارين محددين، إما حكم عسكري مؤقت أو تحت قيادة مجلس رئاسي شبه مدني يختاره العسكريون، والاختياران كلاهما في رأيي وجهان لعملة واحدة، فكلاهما ضمنيا يضع مصر تحت الحكم العسكري، وقتيا!
أما من سيقول (نعم) فسوف يكمل جملة مناقضة تماما تقول: نعم.. إنها كانت انتفاضة شبابية وشعبية رائعة حققت تغييرا سياسيا جوهريا بخروج الرئيس مبارك من الحكم وإقصاء سيناريو التوريث المذل، تدعمه هذه التعديلات الدستورية المهمة، ليمثل ذلك إصلاحا سياسيا كبيرا يتحقق في إطار الحفاظ على هيكل الدولة المصرية الممتد من ثورة يوليو 1952 حتى اليوم.
لهذا تكمن عبقرية هذا الاستفتاء، في حال اكتماله ونجاحه ونزاهته، فهو يعطي للشعب المصري الفرصة في أن يقيّم التجربة التي مر بها خلال الأسابيع الماضية، وأن يضع لها الاسم المناسب، وأن يحدد ذلك وفي إطار ديمقراطي حقيقي شكل مستقبل هذه التجربة ومدى ارتباطها بما فات.
ولأن السؤال شديد الصعوبة، واستنطاق إجابة واضحة عليه أصبح شاغل كل المصريين، فقد نشطت كل القوى السياسية المصرية والشعبية لحشد الجماهير وراء تأييد أو رفض هذه التعديلات، مما أحدث ضجة وصخبا مدويا غطى على كل شيء يجري في بر مصر، وحدث ما يشبه «الزيطة» التي تصاحب الموالد الشعبية في قرى مصر وريفها، وانقسم الشارع إلى نصفين.. حزب (لا) يتقدمه أغلب المرشحين المحتملين لمنصب رئيس الجمهورية ومنهم محمد البرادعي وعمرو موسى، ومعهم ائتلاف شباب ثورة يناير وبعض ما كان يسمى في عهد مبارك بأحزاب المعارضة، ومنها الوفد والتجمع والجبهة، وعلى الجانب الآخر اجتمع الضدان؛ الإخوان والحزب الوطني الحاكم «سابقا»، في حزب (نعم)، ووقف أنصار الفريقين يتابعون معركة الاستفتاء المشتعلة في ملاعب الإعلام المصري المختلفة، سواء على برامج التوك شو المسائية أو من خلال صحف الصباح الصادرة في القاهرة.
ولعل أهم ما ستخبرنا به هذه المعركة المبكرة والمهمة، هو حقيقة القوى التي تسيطر على الشارع المصري، فلو نجح حزب (نعم) بقيادة الإخوان وخلفهم أغلب القوى الإسلامية المختلفة ومعهم الحزب الوطني وخلفه رجال أعماله وقوى تقليدية سيطرت في السابق على كل المواقع القيادية في الدولة، فهذا يعني ببساطة استمرار هيمنة هذه القوى التقليدية على حكم مصر.
أما نجاح حزب (لا) فهذا يعني ميلادا جديدا لثورة يناير، يعطيها شرعية جديدة عن طريق صناديق الاقتراع بعد أن حصلت من قبل على شرعية الشارع، كما أنه يعطي رسائل قوية للعالم، وهي أن جيلا جديدا يتجه ليأخذ طريقه لحكم مصر، وأن القوى التقليدية الحاكمة للشارع المصري قد انتهى زمانها، وأن الحديث عن قدرات الإخوان المسلمين الخارقة وشعبيتهم الجارفة أمر لا محل له من الإعراب.
مشكلة «مولد الاستفتاء» وما أحدثه من «زيطة»، هي أنها جعلتنا لا ننتبه إلى أحداث مهمة حدثت في خلفيات المشهد السياسي المصري، كانت تستحق أن نتوقف أمامها بالتحليل والتدقيق، لعل أبرزها هو مولد آخر لاستعراض العضلات أقامته القوى الإسلامية في مصر، بدءا باحتفالية خروج نائب مرشد الإخوان المسلمين رجل الأعمال خيرت الشاطر من محبسه، ولم تنته بمهرجان إطلاق سراح قيادي الجهاد عبود الزمر الشريك في عملية اغتيال الرئيس المصري السادات عام 1981، وبينهما دشن الإسلاميون في مصر أربعة أحزاب تمثل أجنحة وآيديولوجيات مختلفة في إطار عباءة الحركة الإسلامية التي أصبحت «فضفاضة» لأقصى مدى، وهي في طريقها للظهور العلني الأول في تاريخها منذ أن تم حل جماعة الإخوان المسلمين في نهاية أربعينات القرن الماضي.
فمن أقصى اليمين أعلنت الجماعة الإسلامية عن مشروعها بإطلاق حزب جديد، دعمه بالطبع خروج عبود وطارق الزمر، وقبله بأيام أعلن الإخوان تأسيس حزبهم الذي أطلقوا عليه اسم «الحرية والعدالة»، وقبل ذلك خرج إلى الحياة رسميا «حزب الوسط» الذي أسسه مجموعة من المنشقين عن الإخوان في منتصف التسعينات، وأخيرا أعلن الداعية الإسلامي عمرو خالد عن نيته في تأسيس حزب جديد، يضم المجموعات الضخمة من الشباب الذين شاركوه في السنوات الأخيرة أعماله الاجتماعية التي أطلق آخرها قبل أيام لمحو الأمية.
هذا الزخم الإسلامي الذي سبق «سبت الاستفتاء» وفي خلفية معركته، ربما أثار قلق الإدارة الأميركية، التي أسرعت بإرسال وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون لاستطلاع الأمر على أرض الواقع في زيارة مهمة للقاهرة يوم الثلاثاء الماضي، أعقبتها زيارة ميدانية لميدان التحرير لتفقد مسرح الثورة الذي حظي بشهرة عالمية كبيرة، وربما فهم البعض أن هذه الزيارة تمثل دعما لحزب (لا) لما يمثله من اتجاه ليبرالي يدفع بالمجتمع بعيدا عن أسلمته التي ينجرف إليها بقوة لا واعية.
لهذه الأسباب جميعها أمست أغنية فريد الأطرش معبرة بصدق عن حيرة المصري التي دفعته لأن يطلق نكاته الساخرة في كل مكان، ووصلتني إحداها في رسالة على الجوال تقول: «الله يرحم أيامك يا مبارك.. عمرك ما شيلتنا همّ إن إحنا نقول (نعم أو لا).. كان أب بمعنى الكلمة».
إن الشعب المصري يحبو بسعادة طفل في طريق الديمقراطية الصعب، يحاول في تجربته الأولى في «سبت الاستفتاء» أن يقف على قدميه بثقة وينطلق إلى فضاء الحرية بعد سنوات الصمت الرهيب، ليدرك أن مشكلة الحرية دائما هي... الاختيار.

التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...