الأحد، 20 أبريل 2014

حادثة بائع الترمس

العالمُ يتغير بفكرة، الكونُ يصبح أجملَ بابتسامةٍ أو وردةٍ أو كلمةٍ طيبةٍ، كلُّ شيءٍ قابلٌ لأن ينقلبَ رأسًا على عقبٍ في لحظة.. أشرسُ المجرمين تقتله حشرة، وأضعف المرضى تشفيه حبَّة سوداء.. هي حكمة الله في أرضه وسر كلمته «كُنْ» فيتبدَّل الحال ويتغير.


دارت هذه الكلمات في رأسي وأنا جالس خلف عجلة القيادة في سيارتي أتابع ابتسامته الهادئة وهو يمسك أكوابه البلاستيكية الشفافة الممتلئة بحبات «الترمس» الصفراء ويصفِّي كلَّ كوبٍ من الماء في طبق بلاستيكي أحمر ويرصُّها في شكل هرمي لطيف، يقف شاهدًا على «عشمه» في الرزق الحلال.
إنه بائع الترمس الذي ألمحه كل يوم في الموعد نفسه -الثانية ظهرًا- يقف على رصيف المنتصف عند نهاية طريق النصر في الطريق إلى المعادي، بمواجهة «منشية ناصر»، والذي تمنحه حالة الزحام الشديد - في هذا الوقت الذي يوصف بـ«الذروة»- فرصةً تسويقيةً كبيرةً؛ حيث تتباطأ السيارات أو تتوقفُ تمامًا أمامه، ويكون «ترمسه» وسيلةَ تسليةٍ وتغذيةٍ مميزةً، خاصةً لسائقي الميكروباص والأجرة ممن لا يخشَون التلوثَ، أو حتى لسائقي الملاكي، الذين يدفعهم الفضول لدخول مغامرة «الرمرمة».
أتذكَّرُ أولَ مرةٍ لاحظتُ وجودَ هذا البائع وكيف كانت ثيابه رثَّة ومتسخة تدعو للشفقة، وكان طليق اللحية حزينا، يرتدي «شبشب» في قدميه، على الرغم من برد الشتاء القارس، وكيف أصبحت حالته اليوم بعد شهور قليلة قضاها على هذا الرصيف.. لقد تحسَّنت حالتُه الظاهريةُ، كما أن وجهَه الحزين باتَ أكثر تفاؤلاً.
ابتكر البائعُ المِصري فكرةَ «البيع في منتصف الطريق»، باحثًا عن آفاقٍ جديدة للرزق، مُستفيدًا من الزحام الدائم لمعظم شوارع القاهرة، وكالعادة عندما تنجح فكرة تنتشر، وبسرعة.. وعليه، ظهر البائعون أعلى كوبري أكتوبر، وأبرزهم: «بائع السميط»، كما ظهروا في شارع الحسين، يتزعمهم «بائع السوبيا» الذي يحمل «صينية» ممتلئة بأكياس بلاستيكية ينتهي طرف كل منها بـ«شفاط» مُلوَّن، وغيرها من تقاليع البيع وابتكارات المنتَجات التي تلبِّي حاجة «الزبون» المسجون داخل سيارته.
إن انتشار الباعة الجائلين في الشوارع المصرية ليس أمرًا جديدًا؛ بل إنه أصبح كارثة تزعج الجميع، بعد أن تحوَّل -في أعقاب «يناير 2011» وما تلاها من انفلات- إلى سرطان ينهش حرمةَ الطرقاتِ ويزيد من فوضى حياتنا التي لا تحتمل المزيدَ، وربما تنجحُ الحكومة الحالية وحكومات ستخلفها في وضع «روشتة» واقعية لهذا المرض.. وحتى يتحقق هذا، علينا أن نتعامل مع بعضِ إيجابياتِ هذا المرض؛ فالأمراض ليست كلها شرًّا، ومن خيرها مثل هذه النوعية التي أشرتُ إليها من باعة الزحام في منتصف الطريق.
وقد لاحظتُ من رصدي السريع لهؤلاء الباعة أن معظمهم هاربٌ من زحام البيع في المناطق التقليدية والتجمعات التجارية، بحثًا عن فرصة مختلفة، كما أن بعضهم لجأ إلى هذا الحلِّ هروبًا من بطالة تتزايد بفعل سنوات الانفعال الثوري، التي أثمرت خروجَ قطاعات مهمة من معادلة الاقتصاد المصرية، وأشهرها قطاع السياحة، الذي ألقى بمئات الآلاف من العاطلين إلى الشارع بعد توقفه شبه الكامل.
قد يزعجك هؤلاء الباعة، وقد تتعاطف معهم.. في الأحوال كلها، أرجو ألا تفكر في مشكلتهم من وجهةِ نظرِكَ فقط.. اسرح بخيالِكَ وفكِّر في عدد الأفراد الذين يعولهم كل منهم، وكيف أن مكسبه البسيط من تجارته المتواضعة يحمي المجتمع من أن يتحوَّل هذا البائع الشريف، أو أيٌّ ممن يعولهم، إلى مجرم أو إرهابي يعترض طريقك أو يخطف طفلك، أو ربما يزرع «بدائية الصنع» تحت سيارتك فتخسرها وتفقد قبلها حياتك.
إن هؤلاء البسطاء أفضل من آخرين تتكدس بهم الشوارع.. ما إن تتوقف بسيارتك في أيِّ مكان حتى يطاردوك بتسولهم الظاهر وطلبهم «اللزج» للمال، أو بتسولهم الخفي من خلال احتكارهم لمهنة «الركين» المستحدَثة منذ سنوات.. إن هؤلاء «الأراذل» هم من يستحقون السخط واللعنة، أما الشرفاء الباحثون عن «اللقمة» الحلال بـ«عرق جبينهم» فهؤلاء يستحقون الاحترام.
شعر بائع «الترمس» بتركيزي معه ومتابعتي لحركاته، فنظر إليَّ مبتسمًا وناولني كوبًا من الترمس، قائلاً: «ما تكسفش إيدي يا باشا». نظرت إليه مترددًا وشكرته، لكن إصراره الذي دعمه بـ«كبشة» ترمس -إضافية- امتلأت بها يدي، حسم القرار، وعندما هممتُ أن أدفعَ له ثمنَ كوب الترمس، كان قد عاد لمكانه رافضًا، في الوقت ذاته تحركت السيارات من أمامي وأنفتح الطريق وارتفع صوت «الكلاكسات» المزعج يطالبني بالحركة الفورية، فناولته مسرعًا ما قدَّرتُهُ سعرًا للترمس، فتلقَّفه بسعادةٍ ورضا لمحتُهما في عينيه وأنا أراقب ردَّ فعله في مرآة السيارة الجانبية قبل أن أصطدم بالرصيف وأرتد بعجلة القيادة عكسيًّا فتصطدم سيارتي بسيارة «ميكروباص» مسرعة كانت تمر بجانبي..

الحمد لله.. قدَّر ولطف..

الخميس، 3 أبريل 2014

مبادرة أخيرة .. قبل الطوفان


عندما نستيقظ كل فجر على دم جديد، فإن الوطن يتحول إلى مقبرة جماعية، تستقبل كل يوم دموع أم وأنين أطفال وحسرة زوجة وجسد ميت يحتضنه علم مصر، شهيد جديد يضاف إلى القائمة التي اختارها القدر لتفتدي الوطن وأبناءه وتسدد عنه فاتورة الغباء السياسي والعجز الأمني والبغاء الديني الذي يمارسه الجميع ضد الجميع.
عندما نصبح كل يوم لنجد أنفسنا جميعًا في طابور انتظار الموت.. نترقب انفجار القنبلة.. نترقب حصادها.. نترقب ردود الفعل من لطم وعويل.. نترقب قرارات حكومية باهتة.. ونظرات عدائية شامتة.. نترقب اليوم لينتهي.. لننتظر يومًا جديدًا.. لنترقب..
أيها الأخوة .. 
أستعيرها من خالد الذكر «جمال عبد الناصر»، الذي استسلم قبل عشرات السنين لنصائح رجاله، وقرر أن يواجه تنظيم الإخوان أمنيًّا واستمر من بعده الجميع، إلا من رحم ربي من رجال أعملوا عقولهم فتعاملوا مع هذا الملف ببعض التفكير، فأوقفوا نزيف التكفير المجتمعي الذي سنته هذه الجماعة الأم وبناتها من جماعات الدين السياسي بكل بطونه وقوالبه وتياراته.
أيها الأخوة .. والأخوات ..
إن الموت يقف على باب كل منا، وإن كان قدرنا أن نموت جميعًا فلنمُت وصدورنا مفتوحة، نواجه عدوَّنا بكل شموخ وكبرياء، لا يليق بنا أن ننتظر الموت خائفين خانعين نركض ركض جبان خنيث يطارده شبح الموت في كل لحظة وفي أي مكان. فلتعلموا قبل أي شىء أنها حكمة الله وإرادته؛ يدرككم الموت أينما تكونوا، فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تخشوا إلاه، عز وجل.
بني وطني..
ماذا نحن فاعلون في مواجهة عدونا؟ ماذا سنعد له من قوة ومن رباط الخيل كي نرهبه؟ وقبل أن نجيب عن أول السؤالين، تعالوا نتفق أولاً على هذا العدو ووصفه، ونسميه باسمه ونشير إليه بأصابعنا دون تردد أو شفقة، عدونا يا إخواني هو هذه الجماعة المارقة وإفرازاتها من جماعات شقيقة، أكدت الأعوام الثلاثة الماضية أنها حاضنتهم وملهمتهم في كل أعمال العنف التي يرتكبونها في حق أبناء الشعب المصري، أعني -وبكل وضوح- من سموا أنفسهم الإخوان المسلمين كذبًا وزورًا وبهتانًا، هؤلاء الذين خانوا الله وأساءوا للإسلام في كل مكان وزمان.
لقد أفسدت هذه الجماعة -وما زالت- حياة المنطقة بأكملها ولوَّثت ودنست دولاً ودمرت شعوبًا عربية مسلمة بمنهجها الفكري الفاسد ومشروعها السياسي الفاشي وحولت جسدها المهترئ لعاهرة يمتلكها من يدفع المال المطلوب، وما أكثرهم طيلة ثمانين عامًا، لم تتورع فيها عن مضاجعة الجميع مقابل أن تؤسس تنظيمها الدولي؛ وتخطط لحلمها الماجن الذي استلهمه حسن البنا من تيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية العالمية.. إن بني إخوان وبني صهيون وجهان لمشروع واحد لإفساد حياة الناس تحت غطاء الدين، بتدجينهم وتجييشهم وفق أهداف ومشروعات محددة ترعاها قوى الشر التي تتحكم في العالم من غربه إلى شرقه ومن شماله إلى جنوبه.

لن أستطرد أكثر في الحديث عن الجماعة؛ فما كانت تجهله أجيال جديدة من شباب مصر عندما قامت ثورة 25 يناير 2011 ودفعها لتسقط في براثن هؤلاء الفَسَدة من تجار الدين، عرفته في عام واحد تحت قيادة «المرسي» وبتجربة عملية وعلنية، وأدرك الجميع مآثر الإخوان الذين أدخلونا، مع «مبارك» ونظامه، هذا النفق المظلم الذي لن نخرج منه إلا إذا تمردنا على طرقنا التقليدية في التفكير وخرج منا من هداه الله إلى إبداع مختلف في طرق التعامل مع هذا الملف المصيري الذي لن ينهيه إلا هدف واضح، هو القضاء النهائي على هذا السرطان الذي ينهش جسد وطننا وأمتنا.. حافزنا هو هذه اللحظة التاريخية النادرة التي تكاتفت فيها أيادي الأشقاء في كل من السعودية والإمارات مع مصر لمواجهة خطر وإرهاب وفساد هذه الجماعة الملعونة، وهي سابقة لم تُكرَّر مع هذه الجماعة التي كانت تستغل دائمًا الخلافات المصرية - السعودية والتنافس السياسي بينهما كسبيل لها لتحقيق مكاسب أسهمت إلى حد كبير في تنامي دورها وانتعاش اقتصادها.
بني وطني ..
قبل أن نعلنها حربًا شرسة لاجتثاث جذور هذا التنظيم من قلب وعقل كل عربي مسلم، يجب أولاً أن نفتح أبواب التوبة للجميع، يجب أن نجد مخرجًا لإنقاذ آلاف الشباب المخدوعين الذين تورطوا و«تأخونوا» -أو احترموهم- وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة التي منحت فيها الدولة المصرية هذا التنظيم شرعية قانونية لم يحصل عليها من قبلُ، وهو ما أغرى بعض الوطنيين الغيورين على دينهم كي ينضووا تحت لواء الجماعة المخادعة، وانخرطوا في تنظيماتها وفعالياتها حتى انقلب السحر عليهم في «رابعة العدوية» في أعقاب 30 يونيو 2013، واستغلت قيادات الجماعة آلاف المتدينين بفطرتهم ممن ورطتهم الظروف أو ممن تم غسل أدمغتهم، طوال الشهور الماضية، تحت راية تحالف الشرعية الوهمية التي روَّجت لها الجماعة وأنصارها.. إن هؤلاء في ورطة حقيقية الآن، ومَن منهم يتمنى أن يعود إلى صفوف الوطن يجد الأبواب كلها موصدة أمامه؛ فماذا تظنونه فاعلاً؟ إننا دون أن نعي، بإهمالنا شرائح عدَّة من هذا التنظيم ربما تتمنى أن تتوب، نُمد هذه المارقة بزاد من البشر يُستخدم كواجهة بشرية للتجييش والحشد، وربما لارتكاب حماقات وجرائم تنطوي تحت عباءة الإرهاب.
علينا أن نتكاتف لننقذ بعض بني الوطن الذين ما زال فيهم عقل ويريدون أن يقفزوا من مركب الجماعة الغارق لا محالة، أو بعض هؤلاء ممن على أعتاب طريق التوبة ويُرهَبون من قِبَل الجماعة بما سينالهم من بطش أمني ندركه جميعًا حتى لو بخيالنا.
إن إشعال الحريق عمل يسير، لكن إخماده مشقة تتطلب حكمة وجسارة وجدًّا، ليس من العقل أن نسكب البنزين على الحريق أو أن نتخيل أن الماء سيخمد نارًا تلظَّى، إن الجسد المحترق يحتاج يدًا قوية تنتزعه من وسط النار وتدثره ببُردة من نسيج الوطن وتخرج به بعيدًا.

وحتى لا يكون حديثي مجرد «فش خلق» أو «طق حنك» سأحاول أن أكون أكثر عمليةً باقتراحًا أراه يمثل جزءًا من الحل، أما بقية الأجزاء فسأوجزها في خاتمة المقال وسأفصلها في مقالات تالية ربما تحمل العنوان ذاته.. واقتراحي يأخذ شكل مبادرة أتمنى على الله أن تجد طريقها إلى نهر الإعلام السيَّال، لعلها تصل إلى صانع القرار وتتحول إلى فعل حقيقي ينقذ هذا البلد من محنته، ويوقف نزيف البشر المستمر منذ الخامس والعشرين من يناير 2011 وحتى اليوم.


مبادرة التوبة المشروطة

هي دعوة مشروطة إلى كل من انتمى أو ساعد أو دعم هذا التنظيم وهذه الجماعة المارقة وبطونها، بأن يعلنوا تبرؤهم العلني في وسائل الإعلام من علاقتهم بهذه الجماعة ورفضهم الصريح للعنف بكافة أشكاله، بشرط ألا يكونوا قد تورطوا في أعمال إجرامية يحاسب عليها القانون، على أن تتعهد الدولة بمنحهم «صك براءة ذمة» يحميهم من أي ملاحقة أمنية ويمنع عنهم أذى وعبث بعض أفراد الأجهزة الأمنية، ويسمح لهم بممارسة جميع حقوقهم السياسية وفق القواعد التي أقرها الدستور ونظمها القانون.
على أن تتشكل لجنة عليا للمبادرة تُجري مقابلة مع كل طالب لهذا الصك من التالية أسماؤهم، وهي قائمة مقترحة يمكن أن تتسع لآخرين على أن تضم اللجنة ثلاثة من كبار علماء الأزهر:
1- شيخ الأزهر (أو من ينوب عنه).
2- كمال الهلباوي.  
3- مختار نوح.
4- ثروت الخرباوي.
5- محمد حبيب.
6- ناجح إبراهيم.
7- كرم زهدي.
ويقوم عمل هذه اللجنة على فكرة الحوار السياسي والديني مع الراغبين من عناصر هذه الجماعة أو حلفائها في أن يجدوا مخارج فقهية تنير لهم الطريق المظلم الذي وجدوا أنفسهم فيه، وتكون خطوة على طريق التوبة وفق التوضيح السابق.
إن دمج التائبين واستقطاب العناصر الراغبة في الهروب والنجاة من براثن هذه الجماعة، هو عمل لا تقل قيمته عن الجهاد في سبيل الله؛ لأننا ننقذ أسرًا بأكملها من الانهيار والضياع ونمنعها من الانزلاق في أوحال الجريمة ومعاداة الوطن، لتتحول من صفوف الأعداء وتصطف معنا في حربنا لبناء المستقبل.
أوضحتُ أن مبادرة التوبة المشروطة هي جزء من حل، وأرى أن بقية الأجزاء تتلخص في مناخ عام يزيل الاحتقان بين فرقاء الوطن وفصائله، ولن يتأتى هذا المناخ إلا بمزيد من الحرية المسئولة، وبتحقق كامل للممارسة الديمقراطية تحت إشراف دولي وبأن تُجرى انتخابات الرئاسة والبرلمان في إطار من الشفافية يمنع أي لغط حول شرعيتهما.
كما يجب على الدولة أن تتخذ عددًا من الإجراءات العاجلة، أهمها: إسقاط الجنسية المصرية عن كل من يثبت بشكل قانوني انتماؤه لهذه الجماعة أو أي من بطونها الإرهابية، ويجب أيضا أن يقف القضاء المصري وقفة صادقة مع نفسه في التعجيل بمحاكمة المتورطين في أي من الجرائم الإرهابية من الإخوان وأتباعهم، وأن تكون هذه المحاكمات عادلة ولا تمنح الفرصة للسخرية من قضائنا وأحكامه المستغرَبة في بعض الأحيان، مع ضرورة أن يتم التنسيق بين وزارتي الخارجية والعدل بعقد مؤتمرات عالمية لتوضيح -للرأي العام المحلي والدولي- حيثيات بعض الأحكام التي قد تبدو مثيرة. 
وأخيرًا لا مفرَّ من أن يتيقن أي نظام سيحكم مصر أنه لن تقوم له قائمة إلا بتمكين الشباب من المشاركة الحقيقية في الحكم، ومنحه أملاً واضحًا في مستقبل يرسمه بأفكاره ويشيده بسواعده.

وللحديث مبادرات أخرى .. 





الثلاثاء، 25 مارس 2014

نور .. قطع !!


هكذا تنطقها صغيرتي وحبيبة قلبي «مريم» عندما ينقطع النور فعلاً أو عندما نطفئ إضاءة المنزل في أي وقت ولأي سبب. ترددها بهستيريا وتكررها في إلحاح -يكون مزعجًا في معظم الأحيان- يصيبني وأمها بالجنون فنردد معها بصوت عالٍ: «أيوه يا مريم.. النور قطع».. ونحوِّلها مع الوقت إلى ترنيمة غنائية نلحنها ونغنيها كالمجاذيب، حتى يكرمَنا اللهُ بعودة النور أو يزيد من كرمه بأن تملَّ «مريم» فتصمت ثم تستسلم للنوم فيلتقط أفرادُ الأسرة كلهم أنفاسَهم، مرددين المأثور الشهير: «نوم الظالم عبادة».
لا تدري «مريم»، ذات العامين، أنها اختزلت بعبارتها الرشيدة «نور.. قطع» كل المستقبل الذي ينتظرها هي وجيلها من أطفال مصر، هذا ليس تشاؤمًا، لكنه إقرارُ واقعٍ لاحت بشائره فيما نعيشه من حاضر مرعب.
لا أتوقف عند «نور.. قطع» خدمة وزارة الكهرباء والحلم النووي وطاقة الشمس والرياح، وهذا الفيلم الذي نسمع عنه منذ طفولتنا ولم تخطُ أيَّةُ حكومة مصرية خطوةً جادةً نحو تنفيذه، لكني سأتوقف اليوم عند «نور.. قطع» خدمة وزارة الثقافة ودور كتيبة مثقفيها ومبدعيها وفنانيها، وأقصد هنا «التنوير» الحلم الذي يُثار غُبارُه في الجوِّ مع كل موسم للحرب على «الإرهاب».
لا شك أنَّ أخطر ما كشفته لنا «حركة يناير وتبعاتها»، وفق تشبيه مثقف مصري، هو أن «بكابورت» مصر طفح بما في المصريين من جهلٍ وتخلفٍ وفقرٍ وتطرفٍ وبلطجةٍ وسوقيةٍ وعشوائيةٍ.. و«كل الحاجات الكُخَّه ديَّه» على رأي مثقف آخر، لكنه من فصيل يحارب فصيل المثقف الأول.. وما بين دولةٍ تسعى إلى تطوير التعليم منذ عهد الفراعنة ولم تنجح، حتى تاريخه، في فك رموز وطلاسم «حجر التطوير»، إلى مثقفين من فصيلَي «البكابورت» و«الكُخَّه»، يمكن بسهولةٍ أن ندركَ مصيرَ مِصرَ وطفحها ومستقبل أبنائها.
العقل المصري «مظلم».. واقع لا تخطئه عين، حاوِلْ أن تدخُلَ في نقاشٍ مع أي مواطن مصري حول أي موضوع، ستكتشف الكثير من ملامح «انقطاع النور»؛ فهو لن يقبل برأيك المخالف وسيعتبرك عدوًّا، وربما تحوَّل النقاش بينكما إلى مشاجرة. لقد مَسخَت سنواتُ التجريف المباركي «شخصيةَ مصر» وأضاعت سحرَ عبقريتها ولم يتبقَّ منها إلا أطلال تظهر بين الحين والآخر.. هذا رأي لمثقف ثالثٍ يكره الجميع.
ويعتبر «الإرهاب» أو «التطرف الديني» هو التجسيد الواضح لمشروع «البكابورت»، الذي ظهرت إرهاصاته المتتالية بعد يناير 2011 وفاحت رائحتُه منذ «غزوة الصناديق»، مرورًا بـ«جمعة قندهار»، وحتى «برلمان الثورة» وأذانه ونائبه البلكيمي، وليس انتهاءً بمقتل القطب الشيعي حسن شحاتة قبل أيام من «30 يونيو»، الذي أسقط آخر ورقات التوت ليفضح عورات الجسد الإخواني قبل أن يخرج علينا بقصته الكوميدية «عبث الأقدار» التي تظهر فيها «رابعة» وهي تؤم «بديع» و«حجازي» و«البلتاجي» و«العريان» في صلاتهم الأخيرة قبل الزوال.. هذا قليل من كثير من تفاصيل أطلت علينا خلال ثلاث سنوات بفعل تُجَّار الدين وكابوسهم الذي أهدر حلمَ الثورةِ وأضاع دماءَ الشهداءِ سُدى.
حتمًا سيقفز سؤال إلى بالك: وهل يمكن أن يعود «النور» إلى هذه العقول المظلمة؟! لا شكَّ أن الأمر صعبٌ ويحتاج إلى جهد فكري شاق؛ فالعقلية الظلامية، خاصة من المسحورين بالدين والمكبَّلين تحت وطأة «السمع والطاعة»، يصعب أن تُخرجهم من هذا السرداب وتقنعهم بأن يستمتعوا بضوء الشمس المنعش، خاصة أن معظمهم يكون قد فقد بصره وأصبح غير مقتنعٍ بوجود «نور» أصلاً.
ولأن الحاجة هي أم الاختراع، فإن دور المجتمع الذي يرغب في إنهاء عتمته الفكرية أن يبحث عن وسائل مستحدثة لإنارة عقول أبنائه وتثقيفهم وتوعيتهم، وعلى كل فنان ومبدع أن يبتكر أوعية تنويرية تساعد على وصول دماء الثقافة والتحضُّر إلى شرايين تصلَّبت وفقدت إنسانيتها، هذا إن صدقت النوايا وكان هدفًا حقيقيًّا لنا جميعًا أن نعيشَ في النور، وهو ما أشكُّ فيه. نظرة معمَّقة لكل ما يدور حولنا تزيد هذا الشك، خاصة عندما تَسمعُ أصواتًا عالية لعُشَّاق العتمة، وترى ضعف الشخص الواقف بجوار «كُبس النور» وعدم قدرته على مقاومة إغراء السلطة وشهوة الحكم، التي تتفاقم بوجود طبقة لزجة تحيطه من كل جانب تدفعه لكي يبقى «الكُبس» مغلقًا ليأمن شرَّ العيون المبصرة.

أعلم أن المشهد يبدو سرياليًّا، خاصة عندما تعود «مريم» إلى صراخها المتكرر: «نور.. قطع»، ويبقى أبوها حائرًا إلى من يتجه بشكواه: إلى وزير الكهرباء أم وزير الثقافة أم إلى «الراجل اللي واقف جنب كُبس النور»!!


الأربعاء، 19 مارس 2014

حدارجة .. بدارجة !!


عندما هبطَت الطائرة التي كانت تحملُني إلى العاصمة الصينية بكين، في فبراير عام 2001، ومع ما سبق عملية الهبوط من «مخمضة» مرعبة استمرت لأكثر من ساعتين، كانتا الجزء الأخير من رحلتي الطويلة التي تجاوزت العشرين ساعة، شعرتُ بأن زلزالاً كبيرًا سيجتاحُ حياتي وأنَّ ما سبق هذا التاريخ سيكونُ ماضيًا بلا رجعة، وأن القادم هو ميلادٌ جديد، ووصفتُ الزيارةَ - مازحًا - بعد يومين من وصولي إلى بكين، في رسالة إلكترونية لصديق عمري، بأنها أشبه بزيارة «السادات» إلى القدس، وأنها ربما تغيِّر التاريخ، تاريخي الشخصي بالطبع، وقد كنتُ، وما زلتُ، أذكر عنوان رسالتي هذه، الذي كان قاسيًا وفجًّا، كتبته بإحباط وقرف ورفض لما وصل إليه حالُنا في مصر.. كتبته ناقمًا على هذا الشعب تحمُّلَه كل هذا الذل والهوان وعدم قدرته على أي فعل حقيقي، مما جعل صورة المستقبل مظلمةً أمامي وأمام جيلي وأجيالٍ أخرى تالية؛ حيث عنونتُ رسالتي بـ«الخروج من صفيحة الزبالة»، وكنت – بالطبع - أقصد أن مصر هي «الصفيحة»، ويمكن أن يُفهم بسهولة المقصود بـ«الزبالة»!!
تذكرتُ رسالتي هذه قبل أيام وأنا أتابع واحدًا من أشهر إعلاميي الـ«توك شو» في العالم العربي، في برنامجه اليومي، وهو يهيل التراب على المصريين ويصفهم بالكسالى والمتراخين وأن عليهم أن يتحركوا ويعملوا بذمة وضمير وأن يكفوا عن انتظار البطل الذي سينقذهم؛ لأنه لا أحد يملك عصا سحرية لحل كل المشكلات المزمنة التي يعانيها البلد، ويبدو أن حديثه هذا متَّفَق عليه مع «جوقة» الطبل والزمر الإعلامي في فضائنا المصري، وبإيعازٍ ربما يكونُ من جهات عالِمة ببواطن الأمور، فقد اتفق أغلبهم على أنه علينا كمصريين أن نتغيَّر، وذهب كل منهم في تفنيد مساوئ هذا الشعب المسكين من وجهة نظره، ليعرض - بمنطق العالِم - وسائلَه لكي يتغير هذا الشعب «البليد» كي يكون جديرًا بمن سيأتي ليحكمه!!
وأعود مرة أخرى إلى بكين وحديث لم يتكرر في السياسة مع المترجم الصيني الذي رافقني في زيارتي الأولى إليها؛ فقد دفعني انبهاري بما رأيته وقرأته عن المعجزة الصينية أن أسأله عن رأيه في سر قفزة بلاده إلى القمة وأسباب وأسرار تقدمها الذي أبهر العالم بسرعته، فأجابني باقتضاب شديد: «لقد أسعدنا الحظ وصعد إلى قمة السلطة شخصٌ أحبَّ الصين بصدق، وأدرك أنَّ البشر هم ثروتُها الحقيقية وكنزها الخالد، وفورًا وضع قوانين جديدة ورتَّب الدولة لكي يستخرجَ هذه الثروة ويفجِّرَها، فانطلق التنين الصيني».. وقتها تساقطت دموعي أمام الفتى «شياو» من فرط الضحك؛ فقد تذكرتُ كيف يعايرنا «الريس» مبارك - ربنا يشفيه من مرضه العضال ويفرَّحه ببراءة العيال - ففي كل خطاب له، طوال فترة حكمه المديدة، كانت له فقرة ثابتة يتحدث فيها عن الزيادة السكانية الرهيبة ويختمها بابتسامة ذات مغزى، طالبًا من المصريين أن «يبطلوا خلفة؛ لأنه مش عارف يجيب لهم أكل منين».. وكأنه كان يخشى أن يتكاثروا عليه بالملايين وينفجروا!!
وقد كان.. فهؤلاء هم الملايين الذين تجلت فيهم العبقرية المصرية في مشهد سيخلِّده التاريخ، مشهد التحرير / يناير 2011 - أيًّا ما كان اسمُ الحدث ومهما كان رأينا في ما تلاه من أحداث - فلقد كانت ملحمة مُدهشة عكست تحضُّر هذا الشعب العظيم ورقيَّه، وردت على عنوان رسالتي التي سبقت «ثورة يناير» بعشر سنوات، وترد أيضًا على إعلاميي «اليوم» في حملتهم التي تمهِّد الطريق لما هو قادم، ذلك على الرغم من مرور ثلاث سنوات على هذا المشهد الفريد، الذي أكد - بما لا يدع مجالاً للشك - أن الشعب المصري قادر على صنع المعجزات عندما توجد الأسباب، لكن يبدو أنه لا أحد يفهم أو يدرك هذه المعلومة.

وعلى ذكر الثورة وما حدث لنا كمصريين بعدها، من تطاحن وفرقة وصراع فجٍّ على السلطة، كنتُ بميدان التحرير في إحدى التظاهرات التي تفجَّرت بعد إعلان «مرسي» الدستوري في نوفمبر 2012، ولفت نظري رجلٌ يحمل مبخرةً ويلف بها الميدان وأثارني بجديته وصوته العالي، اقتربت منه فسمعته يرتل قائلاً: «حدارجة بدارجة.. من كل عين زارجة.. يا شجرة بلا ورق.. الغم والحزن والحسد عنك يتفرق.. أم النبي رقت النبي بالصلاة على النبي اللهم صلِّ عليه».. ويكرر ما يقوله بحماس وانفعال وصدق، وتوقفت سيدة عجوز بيننا تستمع بتأثر، ثم ابتسمت وقالت: «عليه الصلاة والسلام.. تصدق والنبي معاك حق.. مصر شكلها اتحسدت.. بس إن شاء الله نرجع زي ما كنا في يناير مع بعض إيد واحدة (ونظرت إليَّ) والله يا ابني شكلها محسودة عشان كده كلنا لازم نرقيها». وارتفع صوت السيدة مع الرجل تردد ما يقوله.. ووجدتني أبتعد وأردد هامسًا: «حدارجة.. بدراجة.. من كل عين.. سارجة»!!

نشر في مجلة 7 أيام عدد 61 بتاريخ 18 مارس 2014




الأحد، 1 ديسمبر 2013

فكرة مجنونة .. بنكهة القلقاس


مع أني واخد قرار نهائي وحتمي وتاريخي بألا أشارك في "العك" الحاصل في بلادي، لكنني اليوم وفي ساعة عصاري بينما أتأهب لتناول طعام الغداء أطل علي من شاشة التلفاز عمرو بيه موسى رئيس لجنة الخمسين .. يقرأ نصوص ومواد دستور لجنته وسبقه بديباجته، والحقيقة أن أكثر ما أبهرني في المشهد - اللهم لا حسد - هو لياقته.
ولأن حرمنا المصون كانت تجهز أكلة "قلقاس" مخصوصة من العيار التقيل، ولمحتها بينما البيه يقرأ المادة تلو الأخرى .. تضع ألأطباق أمامي في هدوء .. فوجدتني مضطرا أن أسرح بخيالي بعيدا عن شقي الرحى .. عمرو بيه ودستوره .. وحرمنا المصون وقلقاسها.
وعلى أنغام صراخ أبنائي الأعزاء، وبعد أن فقدت تماما الإحساس .. وأنهيت الطبق الثاني من هذا القلقاس .. قفزت الفكرة في رأسي بعنف مدوي .. فقررت أن أشارككم فيها .. وأهو كله بثوابه ..
الفكرة باختصار عشان كلام الجد ما يضيعش حلاوة الهزار ..
بما أنه تم إستفتاء الشعب المصري على تعديلات دستورية في دستور 1971، وذلك في إستفتاء 19 مارس 2011 الشهير بغزوة الصناديق.. وهو الإستفتاء الذي ضرب به المجلس العسكري عرض الحائط وأصدر بعده إعلان 31 مارس الدستوري الذي حكم به المرحلة الإنتقالية.
وبما انه تم إستفتاء الشعب المصري على دستور "منتصف الليل" الإخواني في 15 ديسمبر 2012، والذي سبقه إعلان مرسي الدستوري الذي جعله دستورا منقوصا بفضل تحصينات قانوينة مشوهة منحها مرسي للجنة الدستور الباطلة، وهو الدستور الذي تم تعطيله بعد ثورة 30 يوينة المجيدة والفريدة والشديدة كمان ..
وبما أن الشعب وافق في المرتين بأغلبية تخطت ثلثي الناخبين وبالمناسبة - وهذه ملاحظة للتاريخ فقط - فإن قادة الجيش المصري في المرتين هم من ألغوا النتيجتين، رغم ما تحمله كل نتيجة من شرعية شعبية سواء لتعديلا دستور 1971 أو لدستور 2012.
وبما أن دستور عمرو بيه ورفاقه، تلاحقه الأقاويل وتطارده لعنات أصحاب الفيل - لا أقصد الشيخ حمد والعياذ بالله - فلماذا يا سيادة رئيسنا المؤقت عدلي، ويا جدنا الببلاوي ويا نني عيون المصريين سيادة الفريق .. لماذا لا نخرج من هذا المطب بفكرتي المجنونة .. الفكرة القلقاسة ..
برضه بالمناسبة، أنا عارف إن القلقاس سمعته وحشة في مصر، بس سيرشاية سريعة على جوجل هاتعرف إنه فظيع وممكن تدمنه من كتر فوايده ومن فرط جماله .. وخصوصا لو أكلته من أيد حرمنا المصون .. ويا عيني لما تحبس وراه بشوية شاي بالنعناع الأخضر.
المهم عشان ما اطولش ..
الفكرة ببساطة أن يجري الإستفتاء القادم، والذي ربما يتم في يناير المقبل وفق تصريح جدو ببلا (رئيس وزراء مصر الموكوسة) على ثلاثة دساتير .. هي كالتالي:
- دستور 2011 (دستور 1971 بعد إضافة تعديلات إستفتاء 19 مارس 2011 عليه .. ونسميه دستور طنطاوي).
- دستور 2012 (الذي مرره الإخوان بألاعيب سياسة مفضوحة، والذي يحوي مواد إنتقالية منها بقاء مرسي رئيسا لمصر وكذلك مادة عزل نواب الحزب الوطني السابقين .. ونسمي هذا دستور مرسي)
- و أخيرا دستور 2013 والذي هو تعديل جذري لدستور مرسي، ويمكن أن نصفه بأنه دستور جديد ونسميه دستور عدلي)
وإذا كنا بلد يريد أن يخرج من مأزقه الراهن، يجب أن يكون الإستفتاء مثاليا، في تنظيمه ..
وأعتقد أن الأستفتاء على ثلاثة دساتير يحقق لكل الإطراف مبتغاها ويعيد الإخوان وحلفائهم إلى حلبة العمل بعيدا عن كل موائد التفاوض الوهمية، وحديث المصالحة اللي بيجيب حموضة لأحمد موسى ياااااااااح.. كما أنه يمنح جماعة أسفين يا ريس من عشاق العهد المباركي فرصتهم للعودة إلى الماضي .. ويبقى كده راضينا الجميع .. 

وتخش يا نجم زي الباشا لجنة الإستفتاء وتختار بين التلاتة، والملعب هو الحكم .. واللي يكسب يلبس حكم البلد ويورينا شطارته بقى هايحكمها إزاي ..

هايقولك دستور طنطاوي ده بتاع الفلول والعسكر .. قوله فلول بس أعيش .. وألحس البيادة وما يهمنيش ..
هايقولك دستور مرسي .. هايرجع مرسي للإتحادية والأخوان يركبوا البلد تاني .. قوله يبقى العيب على اللي بيحبوا يتركبوا ..
هايقولك دستور عدلي .. حادف شمال وبتاع يسار .. قوله أبقى صوت بإيديك اليمين وقول باسم الله ..
ياعم أختار اللي أنت عايزه .. المهم يكون إستفتاء نزيه ..
وما يجيش واحد بعد النتيجة ويقولك هو فين دستور الثورة .. ده بقى تقوله دستور الثورة في رجلين أمك .. ولو فتحت بؤك هألسوعك بأوسخ شبشب فيكي يا مصر .. اللي هو شبشب أمك برضه ..

تمام ..
سلام .. 

الاثنين، 26 أغسطس 2013

أخيرا .. إطلاق سراح .. مرسي

يبدو أن أغسطس (الكئيب) .. (الرهيب) ..
قرر أن يزيح عني بعض اثاره الحزينة
وقبل أن ينتهي بأيام قليلة .. 
ها هو أخيرا (مرسي) يخرج للنور .. 
ويستعد لكي يلف ويدور بين الوديان والجحور ..
وعشان دماغك ما تروحش بعيد ..

مرسي المقصود هو مرسي بتاعي ..مش بتاعهم ..
ومرسي بتاعي - لا مؤاخذة - هو كتابي الشعري الثالث
والذي أطلق صراحه اليوم الصديق الناشر ياسر رمضان ((مدير دار كنوز للنشر والتوزيع)).. 
والكتاب يحمل عنوان ((حرنكش يا مرسي )) ..

وقد تأخر صدوره أكثر من أربعة شهور لدواعي كثيرة أهمها ..
إرتباك سوق النشر وإرتفاع أسعار مستلزمات الطباعة 
بفعل هيجان الدولار والسولار [أرجو الا تسألني عن العلاقة ]
وكمان رمضان  اللي الناس بتشتغل فيه بسرعة السلحفاة ..
وقبله الثورة المتممة في 30 يونيو وما تلاها من رابعة ونهضة والذي منه .. 
ثم أخيرا السيسي وفضه وحظره .. 


لقد حذرني الناشر العزيز من أنه لا يستبشر خيرا ابدا بكتاب يحمل صورة مرسي
وقد عاندته في الأمر حتى أحتكم الأمر وكدت أفكر في تغيير الغلاف لفك النحس والعكوسات..
وقبل ما شيطاني يخليني أخلعه من على غلافي .. كان جيش مصر (أبو دم وبيادة وعاجبنا) ..
قد خلعه من على حائط الوطن وألقى به إلى المجهول ..

وزيادة في السسبنس والإثارة .. وطبعا المتعة .. 
فاجئني الناشر العزيز بصدور كتاب أخر جديد ((واحد مع مصر)) متزامنا مع (حرنكش)
رغم إدراكي أن كتابين في الراس .. ممكن توجع .. 
وممكن حاجات تانية لا يسع الحديث لذكرها .. 
ربنا يكفينا ويكفيكم شرها ..


والكتابان هما شهادتي المخلصة عن عامين وأكثر من عمر مصر ..
شهادة رصدتها شعرا ونثرا ..
فرحا وحزنا ..
حلما وإحباطاً ..
ثورة وثورة مضاده ..
شعب وإخوان ..
اللي قالوا نعم واللي قالوا لأ .. 
اللي عصروا لمون واللي عصروا قصب .. 
ولما الاتنين أتعصروا .. 
كان وطنا .. بيغتصب..  
وبفعل هذه الثنائيات أنقسم البلد وانشرخ ..
 ويارب المجبارتي يكون بيفهم والدكتور يعرف يداوي الشروخ ..
يا الا هانرجع من الأول وندوخ ..
 ونلف في دواير لا تنتهي إلا بثورة ..

وكل ثورة .. وأنتوا شعب ..

وأخيرا
أتشرف بأن أقدم لكم جهدي المتواضع ..

حرنكش يا مرسي
واحد مع مصر



26 أغسطس 2013

في كل مكتبات مصر ..



الأحد، 24 مارس 2013

حسن رامبو .. اللي بيشرب الشامبو


يطاردني إلحاح – لا يتوقف - من صغيري وقرة عيني مصطفى الشهير بـ "صاصو" في رحلة عودتنا  اليومية من مدرسته إلى المنزل، في أن أحكي له حدوتة، ومع كثرة ما حكيت وأنا أتحاشى جموح السيارات المحيطة بنا في طريق الأوتوستراد المزعج بجنون سائقيه، كانت للأسف كل  قصصي لا ترقى إلى مستوى تقديره فكان يهرب من مللها في منتصف المشوار وينام وهو ما كان يصيبني باليأس المخلوط بالفشل.
كان هذا حالي طيلة الأيام الماضية من شهري فبراير ومارس، أبدع كل يوم قصة جديدة وينام أو يهرب إلى IPAD ليقهر spider man، وهو ما استفزني أكثر فقدحت زناد الإبداع الذي صدأ من فعل الصحافة وشرق أوسطها.. حتى قفز أمامي فجأة .. حمادة رامبو*.. أشهر "صيع" حي روض الفرج، الحي الذي سقطت فيه رأسي وصعدت وترعرعت أحلامي وعشت فيه أحلى أيامي، وقررت أن يكون حمادة هو البطل الأسطوري الجديد الذي أنسج من حوله حواديتي للأستاذ صاصو، ولمزيد من الحبكة تذكرت زميل لي في المدرسة الابتدائية حكى ذات مرة أنه وهو طفل كان يغافل والدته وهو يستحم ويشرب الشامبو، وكنت أصرخ من الصدمة أنا وأقراني وقتها من هذا التصرف الغريب والمثير، وكان زميلي هذا أسمه حسن، فقررت في لحظة تجلي درامي أن يكون أسم بطل حكاياتنا أنا وصاصو هو ((حسن رامبو.. اللي بيشرب الشامبو))، كما دشنا مقدمة غنائية لهذه الحدوتة منحتها جاذبية خاصة ومن سهولة اللحن حفظه صاصو وبدأ يردده في كل مكان، وإمعانا في الجاذبية قلت لصغيري إن حسن رامبو سليتقي في حدوتة قريبة مع BEN 10 على سبيل الدعاية لشخصيتي الجديدة لعلها تستحوذ على اهتمامه أكثر، وهو ما كان.
ونجحت الخطة وأصبح صاصو كل يوم يتشوق إلى مغامرة جديدة من حكايات الولد "النوتي" التخين حسن رامبو المشاغب الذي يرتكب حماقات وأخطاء كارثية ويأكل ساندوتشات زملاءه في الـ Class ويضربهم جميعا وهو يصرخ في وجوهم بحركات Power Ringers، وتبلورت أكثر شخصية حسن درامياً وحملتها بكل سلبيات الأطفال في هذه المرحلة العمرية التي تشبه عمر صاصو، وأصبح حسن رامبو النموذج السىء الكريه الذي يتحاشى أبني الصغير أن يصبح مثله أو أن يرتكب أخطائه، وهو ما حقق من قصة حسن أهدافا تربوية لم أتخيلها.
المشكلة الرئيسية، كانت في بركان الأسئلة الذي تفجره كل حدوتة لدى صغيرى، فلم أدرك أنني اقتربت من منطقة محيرة بداخله تتعلق باستخدامه للقوة والعنف، ومع متابعتي السريعة لكل الأفلام والبرامج التي يدمن مشاهدتها اكتشفت أنها كلها مسلسلات معارك دامية، وكان رصدي له في اللحظات القليلة التي أنتظره فيها داخل مدرسته يوضح أن أسلوب لعبه وتواصله هو وكل أقرانه بين أمرين إما "الضرب" أو"الصراخ".
"يوسف ضربني وعلى خبطني ويحيى زقني، أعمل معاهم إيه يا باباي؟ أنا مش عايز أبقى (نوتي) زي حسن رامبو اللي بيشرب الشامبو".. تباغتني كلمات مصطفى وتقطع شرودي وانا غارق في أحداث مصر خلال عامين من عمر ثورتها الميمونة، ولحظات كثيرة مرت علي مؤخرا وأنا أبحث عن طبنجة أو سنجة أو فرمنش لأضعهم في سيارتي ربما أستطيع بهم الدفاع عن نفسي في دولة الفوضى التي أصبحنا نعيش فيها.
راقبت نفسي وتصرفاتي في الشهور الأخيرة، فاكتشفت أنني أصبحت ميالا للعنف أكثر من رامبو الذي أحكيه لأبني، راقبت كل أصدقائي ورفاقي وزملائي من العقلاء المهذبين فوجدتهم أكثر سوء مني، الكل يتأهب ويستعد لمعركة حتمية أصبحنا جميعا نشعر باقترابها وتتشكل ملامحها في أفق وطننا التائه .
العداء بينك وبين أقرب الناس إليك يزداد، حالة من كراهية الأخر تتأجج بداخلك ربما تكون وصلت إلى كراهية نفسك، أنها بشائر كارثة ننزلق لها جميعا بقصد أو بدون ليس هذا مهم، المهم أننا كلنا شربنا الشامبو.. بدل ما نستحمى بيه ونغسل خطايا 30 عام مع مبارك ..
يا صاصو ..
عشان تعيش في مصر يا أبني لازم تبقى حسن رامبو .. ومن إنهارده مش هاحكي لك حواديت خلاص.. أنا هاخدك تتفرج على بلدك من المقطم للإتحادية ومن التحرير لميدان الشهداء .. من إنهارده مفيش سبايدر مان وباور رينجرز وبن تن، في أخوان وحازمون وجبهة وتيار شعبي.. وفي مسلم ومسيحي .. وفي ألتراس بكل فرقه .. في بدو ونوبيين .. في سنة وشيعة .. فيه عندنا حتى المسلمين السنة منقسمين لجهاد وجماعة إسلامية وقاعدة ودعوة سلفية وغيره من تفكيكات الإسلام السياسي، الإسلام يا أبني اللي جمع القلوب في عهد أشرف الخلق عليه أفضل صلاة وسلام.. هو اللي تحت رايته إنهارده هاتسيل دماء مصر والمصريين في حرب أهلية قادمة لامحالة.
أرفع سلاحك فوق .. أنت مصري ..


*رامبو: هو بطل سلسلة من أفلام السينما الأميركية التي قدمها الممثل العالمي سلفستر ستالوني في نهاية الثمانينات من القرن الماضي وحققت ناجحا ساحقا جعله نموذجا للقوة عند جيلي ممن أقتربوا من سن اليأس وتخطوا الأربعين من عمرهم.

التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...