الأربعاء، 25 نوفمبر 2020

فشل تطبيع «عبده موتة»

 


يجب أن نوجه الشكر (قبل اللوم والغضب) للممثل المصري محمد رمضان صاحب الجماهيرية العريضة محلياً وعربياً، والذي يسعى لتصبح نجوميته عالمية، وربما تساعده صوره الأخيرة من تحقيق هذه الأمنية الغالية، والشكر لأنه أيقظ شعوب الأمة العربية وجدد رفضها للتطبيع مع العدو الإسرائيلي، وذَكّر من نسوا بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي هي العدو الأول للعرب والمسلمين ما دامت بقيت أراض عربية محتلة، وبقيت شعوب عربية مسلمة أسيرة لدى جيوش هذا العدو الغاشم.

وكانت موجة غضب عارمة قد تفجرت عبر «الميديا» المصرية والعربية بجناحيها: التقليدي (صحف ومجلات وفضائيات)، والجديد (تطبيقات التواصل الاجتماعي)، بعد أن نشرت صفحة «إسرائيل بالعربية» صورة الممثل المصري محمد رمضان يحتضن مطرباً إسرائيلياً مشهوراً، وصاحب الصورة على «تويتر» هذا التعليق: «الفن دوما يجمعنا.. عرض الإعلامي الإماراتي حمد المزروعي صورة للنجم المصري محمد رمضان مع المطرب الإسرائيلي عومير آدام في دبي»، بينما علّق رمضان عبر حسابه على «انستجرام»: «مافيش مجال أسأل كل واحد عن هويته ولونه وجنسيته ودينه.. قال تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) صدق الله العظيم.. ثقة في الله نجاح».

ثم انكشفت أبعاد مختلفة للقصة، بعدما ظهرت صور آخرى للممثل المصري مع الممثل ورائد الأعمال الإسرائيلي إيلاد تسافاني، ولاعب كرة القدم ضياء سبع، نجم نادي النصر الإماراتي وأول لاعب إسرائيلي في دول الخليج العربي، وتبين ان كل الصور كانت في حفل خاص جمع رمضان مع نجوم إسرائيل الثلاثة وظهرت مقاطع فيديو تظهر الجميع يرقصون على الأغنية الإسرائيلية الشهيرة «Hava Naguila».

وقد تفاعل اتحاد النقابات الفنية مع الأزمة التي أحدثها رمضان (عضو نقابة المهن التمثيلية)، وقررت اللجنة الطارئة للاتحاد إيقاف محمد رمضان عن العمل لحين انتهاء التحقيق معه،  بينما حددت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، 19 ديسمبر المقبل موعداً لأولى جلسات محاكمة محمد رمضان، بتهمة الإساءة للشعب المصري، وهي الدعوى التي تقدم بها أحد المحامين ضد الممثل.. النجم!، بعد إنتشار صوره مع التطبيعية.

أخطأ رمضان سواء بقصد أو بحسن نية، مأجوراً لهدف خفي أو مدفوعاً بجهل واضح، لكنه أشعل بخطئه نيران الغضب في كل الشوارع العربية، التي تتابع مكتوفة الأيدي هرولة حكومات عربية وإسلامية نحو السلام مع إسرائيل دون أدنى إتفاق على إستعادة الحقوق العربية المسلوبة والمغتصبة من قِبَل إسرائيل، والتي دنست منطقتنا العربية بمشروعها الإستعماري الشيطاني الذي ذرعها في «قلب الأمة العربية» إنطلاقاً من «وعد بلفور» عام 1917، ثم إعلان دولة إسرائيل ثم حرب فلسطين عام 1948، مروراً بكل الحروب وإنتهاء بجولات السلام التي نجح قليلها وفشل معظمها.

واليوم وبعد أن تمزقت الخريطة العربية وتشرذم العرب، وبقيت سجون صغيرة تسمى مدن فلسطينية تحت وهم الحكم الذاتي، يبحث المغتصب عن باقي مشاعر حب (في هذا القلب) ليُنشط مودة زائفة، ويحيى سلام الشعوب الذي يخطط ليصل إليه بعد أن منحته الحكومات سلاماً ورقياً (وهمياً)، يبحث العدو عن التطبيع كاملاً كي يأمن الخطر مستقبلاً، ولكن على عكس ما تمنى كشفت (صور رمضان) أن الشارع العربي والمصري ما يزال على عهده ولم يخن قضيته، ولم ينس أن إسرائيل هي عدوه الأول، طالما بقيت الأراضي العربية.. محتلة.

لتبقى القضية معلقة.. إلى أن يأذن الله.

 

* البوست الذي حذفه رمضان من صفحته الرسمية على الفيس بوك بعد ساعات من نشره

الأربعاء، 28 أكتوبر 2020

هل أسعدك ذبح «المدرس الفرنسي»؟



هل ارتاح ضميرك بعد أن رفعت شعار #إلا_رسول_الله وزينت به حساباتك على «السوشيال ميديا»؟، هل تظن أنك أديت واجبك تجاه النبي عليه الصلاة والسلام؟، وهل هذا السلوك المكرر وقرارات أخرى تشبهه (سلبية) كمقاطعة «المنتجات الفرنسية» مثل الجبن والسيارات ومستحضرات التجميل أو حتى «القبلات الفرنسية» كما سخر أحدهم من «هوجة» مقاطعة كل ما هو فرنسي؟، هل بهذه الأعمال تكون قد أخذت بثأر النبي، وأعدت إليه الاعتبار؟.

دعني أسالك صراحة، هل أسعدك ذبح المدرس الفرنسي؟، هل احتفلت وتشفيت مع اقرانك وأهلك؟، هل مثل هذه التصرفات (الإيجابية) العنيفة في رد الاعتبار تشعرك بعزة الإسلام، وبأننا لسنا أمة مستضعفة،  بل أقوياء بمثل هذا الشاب وأمثاله من المجاهدين في كل بقاع العالم؟.

دعني أسألك أيضاً، هل  تحريت القصة وقرأت تصريحات «ماكرون»؟، هل شاهدت الرسومات المسيئة التي قيل أن المدرس الفرنسي المذبوح قد عرضها على تلاميذه، وبسببها تم نحره بسكين لاجئ شيشاني لا يعرفه، ولم يتحرى الواقعة ولم يفهم صحيح إسلامه ليعرف كم تعرض نبينا للإساءة وكيف كانت ردود أفعاله في كل مرة، وكيف تعامل مع الأشخاص الذين أساءوا له؟.

فكر في إجابات هذه الأسئلة وتدبرها، قبل أن تتحمس للدفاع عن النبي، وأنت أبعد ما يكون عن سنته الشريفة، إن محمد بن عبد الله خاتم المرسلين وأشرف الخلق أجمعين، لا يحتاج لمن يدفع عن سيرته هذه الترهات، ولكن يسعده حقاً أن نقتدي بخلقه العظيم.

لقد تصدر هاشتاج #إلا_رسول_الله منصات التواصل الاجتماعي لأيام متصلة، تعبيراً عن حالة غضب محمومة لدى قطاع كبير من العالم الإسلامي، لكن هل تدبر المتحمسين للهاشتاج وأمعنوا التدقيق في جملته الناقصة، والتي بحسب خبير لغوي: «إلا رسول الله.. من حيث معناها فيها إشكال، وهو أنه ذكر فيها المستثنى ولم يذكر المستثنى منه، وعلى أي تقدير للمستثنى منه، يكون معنى العبارة غير مستقيم، لأن ظاهرها أننا نقبل أو نسكت عن الإساءة إلى أي شيء إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى باطل»، وهو ما جعل بعض العلماء يفتون بأنها غير جائزة، لأننا لا نقبل ولا نسكت على الإساءة إلى الله تعالى، ولا إلى القرآن، أو الإسلام، أو أحد من الأنبياء والمرسلين، أو الأديان السماوية الأخرى، أو الملائكة، أو الصحابة رضي الله عنهم، أو أمهات المؤمنين.

أما الخطأ الأكبر الذي تورط فيه هذا الشعار (الهاشتاج)، فهو سقوطه في فح الاستغلال السياسي من قبل دول وجماعات تتاجر بالدين الإسلامي، وهذه الجماعات وأفرعها وأفكارها وأفعالها هي السبب الرئيسي في انتشار ظاهرة «الإسلاموفوبيا» في أوروبا وأمريكا، وبسبب تحركات هذه الجماعات وبرامجها ومشروعها السياسي الذي أثمر العنف والتطرف الديني وصلنا إلى مرحلة «الإرهاب» الذي يلصقه الغرب (بسوء نية) في الإسلام.

ثقيل على القلب أن تتصاعد الحملة المسيئة لسيدنا ونبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام، مع ذكرى مولده المباركة، وتكون هديتنا له مزيد من التورط والتصعيد في الاتجاه الخاطئ الذي نندفع وراءه جميعاً دون أدنى تعقل أو تفكير، كأنه أصبح مستهدفاً تفريغ الأمة من طاقاتها وغضبها وعدم توظيف هذه المشاعر الجماعية في الإطار الصحيح الذي يضمن عدم تكرار هذه الأفعال المسيئة للرسول والمهينة لأحبابه وأتباعه من المسلمين.

أعلم وتعلمون، تاريخ فرنسا منذ احتلال قوات نابليون مصر ودخول خيولهم الجامع الأزهر مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وحتى تصريحات ماكرون المرتبكة قبل وبعد حادثة ذبح المدرس الفرنسي (صمويل باتي) عن الإسلام وضده، لكن مقاطعة بضائعهم تؤذينا بقدر ما تؤذيهم، أوافق عليها إذا تم دراسة تبعاتها الاقتصادية بعناية وأقرتها الأجهزة والهيئات الاقتصادية المختصة وتصبح رد فعل جماعي قوي التأثير، وإن كنت أعتقد أنه بات علينا التحرك بشكل دولي للوصول إلى حلول مستدامة  تضمن عدم تكرار مثل هذا العبث، وأرى أن التحرك القانوني هو السبيل إلى ذلك سواء أمام القضاء الفرنسي أو من خلال المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، وهذا التحرك يستدعى تحركاً عربيا وإسلامياً لتشكيل قوة ضغط واعية على المجتمع الفرنسي، ربما ننجح في أن نقتنص حقوقنا مثل اليهود الذين أقر لهم البرلمان الفرنسي نهاية العام الماضي مشروع قانون يعتبر كراهية إسرائيل شكلا من أشكال معاداة السامية.

ويمثل قرار مجلس حكماء المسلمين برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر بتشكيل لجنة خبراء قانونية دولية لرفع دعوى  قضائية على «شارلي ايبدو» لإساءتها لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، أفضل خطوة على الطريق القانوني الصحيح في التعامل مع هذا الملف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الاثنين، 5 أكتوبر 2020

خطر الصمت بين «السكاتة» و«اللهاية»


قادتني الصدفة إلى اكتشاف هذا الاختراع الذي أظن أنه مصري النشأة، رغم أن المنتج كالعادة «صنع في الصين»، وقد وجدته في أحد محلات اكسسوارات السيارات، حيث قدمه لي البائع بفخر قائلاً: «السكاتة دي هدية من المحل لحضرتك»، و«سكاتة» إنذار حزام الأمان (التي يتراوح سعرها بين 30 إلى 50 جنيهاً) هي عبارة عن قطعة معدنية تشبه الموجودة في طرف حزام الأمان، ويتم تركيبها في مكان غلق الحزام، مما يمنع انطلاق التنبيه الصوتي الذي يذكر بضرورة ارتداء حزام الأمان، وهو التنبيه الذي يستمر لبعض الوقت بشكل حاد، يجبر سائق السيارة (في أغلب الأحيان) على ارتداء الحزام، الذي يعد من أهم عناصر التأمين التي تقوم مصانع السيارات بتزويدها بها، ويلزمنا القانون باستخدامه لأهميته ودوره في حفظ الأرواح.

ويحذر الخبراء من خطورة استخدام هذه «السكاتة»، نظرا لارتباط عمل الوسائد الهوائية (التي تخرج أمام السائق لتحميه عند وقوع تصادم) بالالتزام بربط حزام الأمان، لهذا منعت مصانع السيارات الوسائد الهوائية من الانطلاق طالما أن قائد السيارة لا يرتدي حزام الأمان، وذلك لما وجدوه من ضرر كبير يتعرض له قائد السيارة عند ارتطامه بالوسادة الهوائية دون ارتدائه حزام الأمان.

ورغم ذلك تمثل «السكاتة» الحل السحري لبعض قائدي السيارات للتخلص من صداع هذا التنبيه (المزعج) داخل السيارة، فيلجئون إليها لإيقاف التنبيه دون أن يضطروا لارتداء الحزام، ولهذا حققت انتشاراً كبيراً في مصر وعدة دول عربية (على يد المصريين)، حيث أن «عدم ارتداء حزام الأمان» هو عادة مصرية خالصة، تأصلت مع دخول أول سيارة إلى مصر عام 1890 في عهد الخديوي توفيق ومستمرة حتى اليوم، وربما يتذكر مواليد القرن الماضي «قصة الحزام في التسعينات»، عندما تم استحداث مادة في قانون المرور تمنع سير المركبات دون أن يرتدي سائقيها حزام الأمان مع توقيع غرامة مالية فورية على السائق، وكانت مفاجأة أن نسبة كبيرة من السيارات في مصر (وقتها) تخلص سائقيها من أحزمتها بعد أن ترسخ في وجدانهم أنها قطعة زائدة لا حاجة لها، وتسبب هذا القانون في فتح باب لرواج تجارة الأحزمة، فأرتفع سعرها بشكل جنوني، مما أضطر فقراء السائقين لخداع عساكر المرور بوضع (شريطة سوداء) على أكتافهم.

وقد أخترع العالم السويدي نيلز ايفار بولين حزام الأمان الثلاثي النقاط عام 1958، والذي يستخدم حالياً في جميع أنواع السيارات، واختير اختراعه واحداً من أهم تسعة مخترعات في حياة البشرية في القرن العشرين، بعد أن أسهم في تقليل نسبة الإصابات والوفيات الناجمة من حوادث الطرق، والتي يروح ضحيتها سنويا أكثر من 1.35 مليون شخص، بينما يتراوح عدد المصابين سنويا من 20 مليون إلى 50 مليون مصاب، وفقا لمنظمة الصحة العالمية، كما تلتهم تكاليف الحوادث ما يقرب من 3 % من إجمالي الإنتاج المحلى العالمي سنوياً (وهي أرقام تنافس ضحايا كورونا).

أما المخترع المجهول لـ «سكاتة حزام الأمان»، فيستحق أن يحصل اختراعه على لقب الأسوأ هذا العقد، وأظن أنه ألتقط فكرة اختراعه من «سكاتة» الأطفال أو «المصاصة المطاطية» التي تسمى «التيتينا» أو «اللهاية»، وهي حيلة تعرفها الأمهات جيداً، حيث تستخدم «اللهاية» بوضعها في أفواه الأطفال لوقف بكائهم وإلهائهم بعض الوقت عن طلب الطعام، فهي البديل الشكلي والفعلي لصدر الأم (الطبيعي) أو «الببرونة» التي تنقل الغذاء (الصناعي) للأطفال، وهي أيضاً رغم ميزتها الظاهرة، تشكل خطورة كبيرة على الأطفال، حيث تصيب أكثر من 70% من الأطفال بالنزلة المعوية، وآلام البطن، والانتفاخ، والقيء وتسوس الأسنان والتهاب الأذن الوسطى.

والخلاصة في مسألة «السكاتة» أو «اللهاية».. إن استخدام بدائل (لاهية) أو (خادعة) لإسكات صخب أي إزعاج (طبيعي أو صناعي).. خطر قد ينتج عنه كوارث.. أتفق على ذلك خبير السيارات مع طبيب الأطفال.. ولن يختلف معهم أي (أمين) أو (عاقل).


نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 30 سبتمبر 2020

الاثنين، 10 أغسطس 2020

الصحافة «الصوفية»

أشتاق إلى الصحافة «المطبوعة» شوق العاشق الصوفي لـ «حضرة» الصفاء والمناجاة، لقد مر علي أكثر من 100 يوم لما تطالع عيني حبر المطابع المرسوم على صفحات الورق، ولم يستنشق صدري «عطر الجريدة» وعبيرها، بعد أن اكتفيت بفعل «الجائحة» بالمتاح من وسائل الإعلام عبر خدمات «الأونلاين» الباردة.. الخالية من أي «روح» صحفية.

لقد اشتقت إلى «الأهرام» وخصوصاً «عدد الجمعة»، وإلى «الشرق الأوسط» وملاحقها الدسمة، وزخم «أخبار اليوم» الذي يختزل أسبوع في ساعات قليلة من القراءة والمتعة، ورشاقة «المصري اليوم» وسحرها اليومي الذي لا تروق الحياة بدونه، وشقاوة «الدستور» التي تمنحها مشاغبات محمد الباز ورفاقه قوة وتأثير، وطلة «روزاليوسف» المجلة الأسبوعية العريقة التي تنحت في صخور المهنة بسواعد أبنائها المحترفين يقودهم (المحترم) هاني عبد الله، ودفء «نص الدنيا» الذي رسخته أستاذتنا (القديرة) سناء البيسي ومتعة «أخبار النجوم» التي جددها (المحترف) إسلام عفيفي وعمق «الأهرام العربي» التي أعادها للأضواء باحترافية (الماهر) جمال الكشكي.

هذه الأسماء السابق ذكرها هي أخر ما توقفت عنده ذاكرتي المطبوعة قبل الجائحة، هناك صحف ومجلات أخرى كنت أتابعها سنوات طويلة لكنها سقطت من الاهتمام بسبب تراجعها أو لأنها أغلقت أبوابها أمام قرائها بسبب الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها غالبية وسائل الإعلام.

لن أثقل عليكم بحديث مكرر عن نهاية عصر «الصحافة المطبوعة»، ولن أزيدكم عن أحوال المهنة وأبنائها الذين سقطوا بين شقي رحى ثورتي السياسة والتكنولوجيا، فأصبحت المهنة «رذيلة» هذا الزمان في نظر الأحباب قبل الأعداء.. فقط أذكركم ونفسي بأنها رغم كل ما يواجهها ما زالت تتمتع ببريق الذهب الذي لمع في عيوننا ونحن صبية نحبو في بلاط صاحبة الجلالة فاخترناها قدراً ومهنة وطريق شاق لا نحيد عنه مهما كانت المتاعب، وما تزال «الصحافة» حلم يراود الآلاف من شبابنا الذين يتزاحمون هذه الأيام على أبواب كليات الإعلام بحثاً عن مستقبلهم فيها، والذي نتمناه لهم أفضل مع مهنتنا التي تستحق أن تكون حريتها تاج على رأس كل دولة.

ولأني ارتبطت بصاحبة الجلالة مسحوراً بكلمات الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي، الذي علمني «ما معنى الكلمة»، فكانت الكلمة محوراً لمقالي الأول الذي نشر في أبريل عام 1994 في الصفحة الأخيرة من العدد الأول لمجلة «كلام»، التي كنت رئيساً لتحريرها..

أتعرف ما معنى الكلمة؟

واقتبست في مقالي من مسرحيته الشهيرة «الحسين ثائراً»، الكلمات الغالية التالية: «مفتاح الجنة في كلمة، ودخول النار على كلمة، وقضاء الله هو كلمة. الكلمة لو تعرف حرمه زاد مزخور، الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور، وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري. الكلمة فرقان بين نبي وبغي، بالكلمة تنكشف الغمة، الكلمة نور، ودليل تتبعه الأمة، عيسى ما كان سوى كلمة، أضاء الدنيا بالكلمات، وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم. الكلمة زلزلت الظالم. الكلمة حصن الحرية، إن الكلمة مسؤولية، إن الرجل هو كلمة، شرف الله هو الكلمة».

فكانت «شرف الله هو الكلمة»، النور الذي أضاء طريقي في دهاليز الصحافة وأروقتها خلال ربع قرن من العمل الصحفي.

 


الأحد، 12 يوليو 2020

غباء أردوغان في «آيا صوفيا»




مسألة تحويل دور العبادة (من مسجد إلى كنيسة أو العكس) تشعل الفتنة بين الأديان، وما فعله أردوغان في كنيسة «أيا صوفيا» خطأ كبير وعمل مستفز لكل مسيحي العالم ومسلميه (العقلاء)، لا يقل في قسوته عن تحويل مسجد «قرطبة الكبير» في أسبانيا إلى كنيسة ومساجد أخرى مثيلة له في الأندلس بعد سقوطها، كما لا تقل الفعلة التركية غبائها وحماقتها وجرمها عن أفعال الصهاينة في القدس الشريف، وما يدبرونه للمسجد الأقصى وما فعلوه في مساجد المسلمين وكنائس الأقباط من انتهاكات مستمرة منذ سرقوا فلسطين واستباحوا الأمة العربية من محيطها إلى خليجها.

الفتنة التي يشعلها هذا (الأرعن العثمنلي) والتي انبهر بها بعض اشاوسنا من مرتزقة المسلمين وجهلائهم، سندفع جميعا ثمنها وستحرقنا نيرانها، اضطهاد المسلمين والإسلام لا يفرق بين الأجناس أو الجنسيات، فنحن (المسلمون في كافة أرجاء العالم) حتى اليوم نسدد فواتير الإرهاب الديني والتي كان من أشهرها حادث تفجير برجي مركز التجارة العالمي في سبتمبر 2001 بمنطقة مانهاتن في مدينة نيويورك، وغيره من حوادث امتدت حتى خرجت علينا «داعش» بصنوف العبث الإرهابي لتمرغ في التراب أخر ما تبقى من صورة نقية عن ديننا الحنيف.. والذي أدى بدوره إلى تنامي وتزايد خطير لظاهرة «الإسلاموفوبيا» وتفشيها في الغرب.

تابعت تبريرات بعضهم لأحقية الإسلام في المسجد (الكنيسة)، وما قيل عن وثيقة الملكية التي تثبت شراء محمد الفاتح للكنيسة والأرض المشيدة عليها، وذلك وفق ادعاء أردوغان وعصبته الذين أكدوا أن سلطانهم (الحقاني) قد اشتراها من حر ماله ومال عياله إبان فتحه القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام 1453، وهو هراء يراد للسذج أن يروجه ويصدقوه كي يناموا مرتاحي البال فخورين بجيش محمد الذي سوف يعود على يد البجم التركي وزبانيته من الإخوان، مغلفين كل وقائع التاريخ التي تنفي هذه القصة وتؤكد أن الكنيسة سرقت مثلما سرق العثمانيون كل الدول التي احتلوها (تحت شعار الفتح العثماني الإسلامي)، ومنها مصر (المحروسة)، التي اغتصبوا خيراتها ووصل الفجر العثماني إلى حد خلع أعمدة المساجد ورخامها ومآذنها وشحنها إلى بلادهم مع خيرة العمال والصناع والعلماء، كما سرقوا كل البلاد التي دخلوها، ليشيدوا امبراطوريتهم بالحرام ويلبسوها ثوب الحلال الإسلامي، فيتبعهم البلهاء في كل زمان، ولهذا نجحوا في أن يحكموا خمسة قرون متصلة بهذه الألاعيب الدينية والسياسية.

 وأذكركم وكل الفرحين بمجد الإسلام على طريقة البهلول التركي بما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما امتنع عن الصلاة في كنيسة القيامة بعد أن أدركته الصلاة وهو فيها، وقولته الشهيرة : «ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا»، حينها كان عمر يتسلم مفاتيح بيت المقدس من البطريرك صفرونيوس، وكان تحت سيطرته نقود كثيرة في بيت المال تنتظر إشارته، لكن الشيطان لم يقرب من عقله الفطن المؤمن ويوسوس له بشراء الكنيسة أو الإدعاء بذلك، بل تركها بيت يعبد فيه الله لإخواننا النصارى، ليضع أهم لبنة في تاريخ التسامح والتعاون بين الأديان، ومخلداً الصورة الصحيحة عن الإسلام دين الحضارة الذي يحترم ويقدر ويحمي الآخر المختلف في الدين أو العرق أو الجنس.

واختتم بالدكتور عباس شومان وكيل الأزهر السابق وحديثه عن «آيا صوفيا» في خطبة الجمعة الماضية، حيث قال: «إن الإسلام يحترم دور العبادة لمختلف الديانات، ولا يجوز تحويل الكنيسة لمسجد، مثلما لا يجوز تحويل المسجد لكنيسة، هذا المبدأ مرفوض في الفكر الأزهري، ويجب احترام دور العبادة لكل أتباع الديانات»، وأضاف فضيلته: «ما يخص الإسلام فهو إسلامي، وما يخص المسيحية فهو مسيحي، وما يخص اليهودية فهو يهودي، هذا التصرف (التركي) مستفز وتصرف غير متفق مع تعاليم الإسلام التي عرفناها وطبقها سلفنا الصالح والذي عرف عنهم حرصهم على مقدسات الآخرين ورعايتها وعدم المساس بها».


الأربعاء، 8 يوليو 2020

مصر بين التحرش والتنمر والـ«تيك توك»


ثلاث قضايا رئيسية شغلت الرأي العام المصري هذا الأسبوع، وهي عنوان المقال، وثلاثتها بعيدة كل البعد عن قضايا محورية ثلاث أخرى أصعب كانت تهيمن على العقل المصري في الفترة الأخيرة، وهي وباء كورونا، وأزمة سد النهضة، والتوتر العسكري في ليبيا.
ويبدو أنه من حسن الطالع تراجع الإهتمام بالثلاث الأصعب، لأنهم مشاكل مزمنة وباقية معنا لفترة طويلة من الزمن، كما أن الدولة المصرية في أي من الملفات الثلاثة لا تملك عصا الحلول السحرية التي تحسم هذه القضايا، فأولاها أزمة صحية عالمية وجائحة تختطف كل يوم آلاف القتلى والمصابين حول العالم، والجميع في إنتظار المصل والعلاج، والثانية قضية مطروحة على مجلس الأمن وينتظرها مفاوضات تستمر لأسبوعين، وفي الأغلب لن تثمر عن حلول حاسمة بسبب تعنت الطرف الأثيوبي المشاغب والمتلاعب، أما ثالثها فهي قضية أقليمية خطيرة تهدد أمن المنطقة، وتحتاج حنكة وصبر وإدارة بلا توتر، لأنها معركة متشابكة ومعقدة، وصراع لن ينتهي بين الدولة الوطنية ممثلة في مصر والدولة الدينية ممثلة في تركيا، وهذه المرة المعركة مرشحة للحدوث على أرض ليبيا.
وربما لهذا فإن انشغال الرأي العام بالموضوعات الثلاثة الداخلية (التحرش والتنمر والتيك توك) يأتي في صالح الثلاثة الآخرى، فالصبر مفتاح الأمل لحل القضايا الأصعب، والصبر يستلزم بعض الوقت بعيداً عن ضغوط الرأي العام، لهذا كان حتمياً أن يوجه نظر المجتمع إلى قضايا آخرى، ربما تكون واحدة أو أكثر قد حان حسمها واتخاذ حلول جذرية لها.
ونبدأ بالتحرش الذي تفرد له صحيفتنا مساحة رئيسية في هذا العدد، ولا يفوتني تهنئة رئيس التحرير على الحفاوة الإعلامية الكبيرة بغلاف العدد، والذي أراه واحداً من أنجح أغلفة الصحف والمجلات المصرية والعربية والعالمية هذا العام، والذي يتصدره الهاشتاج الرائع #طمنوا_بناتكم .. والذي احتوى روشتة الأزهر لمكافحة التحرش ودعم بنات مصر ونسائها ضد هذه الجريمة النكراء والظاهرة الفاحشة، وهي رسالة كانت شديدة التأثير والعمق وصلت إلى ملايين النساء في مصر ودول العالم كافة، رصدت ذلك واضحاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي وعلى وسائل الإعلام التقليدية، سعادة كبيرة بموقف الأزهر في قضية التحرش، ورأيت الغلاف ينتشر بسرعة كأنه لبى عطشاً مجتمعياً لموقف ديني راشد يدعم بناتنا ضد السعار المجتمعي الصارخ والذي تسبب في ضياع صوت إستغاثة اي بنت تتعرض للتحرش، وكانت القضية المثارة والمحالة للتحقيق القضائي هي المفجرة لتلك المشاعر، خاصة وأن أبطالها من طبقات اجتماعية ينظر لها بانها منفتحة تقل فيها هذه الجرائم، وهي نظرة خاطئة، خصوصاً إذا انتبهنا لأرقام التحرش في مجتمعات أكثر تحضراً من المجتمع المصري، مثل أمريكا والتي ترتفع فيها معدلات جرائم التحرش والاغتصاب بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة.
أما قضية التنمر، والتي باتت جريمة جاهزة تستدعى في أي لحظة لمحاربة أي شخص، وأصبحت وسيلة ابتزاز رخيصة يستخدمها المأجورون من لجان إلكترونية تنتمي لتنظيمات تخريبية تستهدف إثارة الرأي العام المصري وتضليله، ويتم التعامل الفاسد مع المصطلح، وتفريغه من مصداقيته وتحويله إلى تهمة من لا تهمة له (واقعة الفنانة إسعاد يونس مثالاً)، أو إفتعال التنمر في حق شخصية عامة وإشعال القضية عبر نفس اللجان الإلكترونية الماجورة (واقعة الفنان شريف وبناته مثالاً مضاداً)، وفي كل إتجاه تحاصرنا فوضى التعامل مع التنمر وتخلق حالة احتقان داخل المجتمع.
أما آخر قضايا الساعة فهو إساءة استخدام التطبيق الصيني «Tik Tok»، الذي انتشر وذاع صيته في مصر تزامناً مع إنتشار فيروس «كوفيد 19» الصيني أيضاً، ونظراً لارتفاع (سقف) الحرية على التطبيق وتساهله التام فيما يتعلق بالمشاهد الإباحية، فقد انحرف مستخدموه إلى الحد الذي أوصل بعضهم إلى ساحات القضاء ومعظمهم من الفتيات المراهقات، ممن صورن فيديوهات منافية للآداب وفق قرار إحالتهن للمحاكمة.
تؤكد «الميديا» وبخاصة الجديدة منها، كل يوم أنها بطلة هذا الزمان، وأنها السلاح الأخطر في إدارة كل مسارات حياتنا، وهي المشترك الرئيسي بين قضايانا الثلاث محل هذا المقال، ودورها واضح في تصدر هذه القضايا أجندة الرأي العام، وأتمنى أن يستثمر المجتمع هذا السلاح «الميديا»، في طرح حلول هذه المشكلات الثلاث العاجلة قبل أن تضطر الدولة للتدخل بتشريعات قانونية للحد من تفاقم أي منها، كما أؤكد على ضرورة إرتباط الحلول بالدين والأخلاق لأنهما العاصمان من ارتكاب مثل هذه الأخطاء والجرائم.

 * نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 8 يوليو 2020



الأربعاء، 1 يوليو 2020

حمزة العرب.. والشاطر حسن




في أسبوعي الأخير أتخذت قراراً ثورياً (تأثرا بأجواء الاحتفالات بـ 30 يونيو الميمونة)، بأن اقوم بترتيب مكتبتي الغالية، وهو قرار تأخر سنوات طويلة تزاحمت فيها الكتب و تراصت بعشوائية منتظمة، حتى فقدت ذاكرتي القدرة على استرجاع مئات العناوين المهمة التي جمعتها بجهد جهيد عبر رحلة ممتدة من البحث والشراء والأستعارة و(اللطش أحياناً) لأكثر من 35 عاماً، وقصة عشق خالدة بيني وبين الكتب من (فرشات) الشوارع إلى (أرفف) المكتبات والمعارض، أحمد الله أنها مستمرة وبنفس الصدق والإخلاص حتى اليوم، رغم طوفان ال(pdf) والكتاب المسموع  وغيرها من طرق تعاطي الثقافة التي لا تخيل على مدمني الكتاب المطبوع، أصحاب «كيف» الورق ورائحته ورحيق حبر المطابع المعتق بتراب الزمن.
ولأن «الكيف مذلة» يبقى عشاق الكلمة المطبوعة على ولائهم للكتاب، حتى لو غرر بهم الزمن مثلي و(تعصرنوا) وخاضوا التجربة الإلكترونية الماجنة، لهذا فقد وجدت متعة كبيرة وأنا أتصفح كتبي وأتذكر مواقف كثيرة ترتبط بكل منها، بعضها مغامرات طريفة وبعضها تجارب مريرة، مر شريط ذكرياتي مع كتبي حتى توقف أمام كتاب كان قد سقط من ذاكرتي تصفحته بتردد، وفاجئني الإهداء الموجود في صفحته الأولى.
حمزة العرب.. هو عنوان الكتاب، وهو مسرحية شعرية للشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة وصادر عن سلسلة «مسرحيات عربية» وجهة النشر هي الهيئة العامة للتأليف والنشر (وهي حاليا الهيئة العامة للكتاب بمقرها على كورنيش بولاق)، وسعر النسخة 15 قرشاً، أما الأهداء فكان من حسن الجوخ أستاذ مادة اللغة العربية إلى العبد لله (محمد مصطفى) وكنت وقتها في الصف الأول الإعدادي عام 1984، وكنت وقتها (ولسنوات تالية كثيرة) من المتفوقين في كل المواد الدراسية، ولكن كانت تربطني علاقة خاصة مع مادة اللغة العربية، ورغم سقوط الكتاب من ذاكرتي إلا أن أستاذ المادة بقي اسمه محفورا في ذاكرتي، لأنه منحني أول رسالة مشجعة لدخول عالم الأدب (كمتفرج أولا ثم كمشارك فعال) وكانت أحاديثه معي محفزة للقراءة والاطلاع بشغف ونهم، وظني أني حصلت منه على أربعة أو خمسة كتب كانت باكورة انطلاقي بين كتب الكبار الذين زاحمت كتبهم في مكتبتي الصغيرة مجلات ميكي وسمير وسلاسل «المغامرون الخمسة» و«الشياطين الـ 13» ثم «رجل المستحيل».
وبحكم اهتمامي بالعمل الثقافي في مصر، تابعت سعيداً وفخوراً المسيرة الأدبية لأستاذي بعد أن تألق في الإبداع والعمل الثقافي، وأصبح له أسماً مرموقاً كناقد أدبي معتبر، لقد تأخرت في الكتابة،  و«كل تأخيره وفيها خيرة»، فقد وجدت مؤخرا صاحب الإهداء (مدرسي القديم) على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، تصادقنا دون أي تواصل فعلي حتى الآن (لأني لم أجده متفاعلاً على صفحته)، كما أني كنت أنتظر اللحظة التي أكتب إليه رسالة شكر تليق بفضله ودوره المؤثر في مسيرتي الإنسانية وعلاقتي مع الكتابة.
كان الجوخ معلماً إستثنائياً في حياتي التعليمية، لم ألتق بمثله إلا فيما ندر، لم يطلب منه كأستاذ للمادة أكثر من الشرح والتدريس لطلابه، لكنه جاد بما هو أكثر واجتهد ليؤثر،  كان مدرسا مميزا وصار علما أدبياً، فاستحق أن يكون «الشاطر»، في حياتي وحياة تلاميذه في مدرسة «شبرا القومية».
تحية محبة وتقدير لأستاذي المحترم.. حفظه الله.
وأرجو أن يسامحني على اختراعاتي اللفظية وسهواتي النحوية (والكي بوردية)..
فلقد أفسدتنا الكتابة الجديدة.
تلميذك القديم

محمد مصطفى أبو شامة


التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...