الخميس، 24 يناير 2019

قل: حركة شباب.. ولا تقل: ثورة




إذا كانت الحركة المباركة (حركة الضباط الأحرار) في 23 يوليو 1952، قد ألتحمت مع إرادة الجماهير وتطورت مع رؤية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ورفاقه إلى ما سمي بـ «ثورة يوليو» التي أسست لشرعية الدولة المصرية الوطنية الحديثة الممتدة حتى اليوم، فإن ثورة 25 يناير 2011 التي احتشد خلفها الشعب المصري وساند مشروعها للتغيير واحتفى بها المجتمع الدولي، تقزمت بسبب ما فعلته جماعة الإخوان المحظورة بها، فبات أدق أن نسمها وهي على أعتاب عامها التاسع بـ«حركة شباب»، تأسيساً على فشل مشروعها الثوري، الذي أخفق عندما أختطفت الجماعة المارقة الثورة في أحضانها، ثم تعثرت أقدامها في الثوابت المصرية، فأنكفات على وجهها وأضاعت معها جهد وحلم ملايين المصريين بالتغيير الحقيقي.. بالعيش والحرية والعدالة الإجتماعية.
ولو كان حصاد يناير قد توقف عند هذا المشهد، لحدثت الكارثة وتحقق سيناريو الفوضى الذي تمنته الجماعة يوم هب عليها الشعب واقتلعها من السلطة في 30 يونيو 2013، فأحتشدت ورهط من أنصار مشروعها الفاشي الذي غلفته بالدين وتبنته وتزعمته وروجت له أكثر من 90 عام، لقد دعت يومها وطالب قياداتها بسقوط الدولة الوطنية وتشبثوا حتى الرمق الأخير بالسلطة، لكن قطار القوى الوطنية مدعوما بالجيش والشرطة، دهس طموحات الجماعة وألقى بها إلى مزبلة التاريخ.
وكي لا نظلم يناير وشبابها، فلقد أشعلوا شمعة في فضاء الوطن المعتم، أرشدتنا إلى طريق التغيير، وزرعت بذور الحلم في مستقبل أفضل لمصر، وألتقط الحلم عقل وقلب المواطن المصري عبد الفتاح السيسي، وألهمته «حركة الشباب» وفجرت بداخله مكامن الأمل في نهضة حقيقية، ورسمت في أوراقه «خارطة طريق» شعارها «مصر تستطيع.. وشعبها قادر»، دفعته من منطلق المسئولية الوطنية أن يمسك عجلة القيادة ويتحرك بالسفينة قبل أن تغرق، يقودها ومعه مخلصين من رجال ونساء لم يتلاعب الهوى الدولي في مصريتهم، ولم تجرفهم الرياح الأجنبية العاتية (المدفوعة بمؤامرات يقف وراءها خوارج هذا الزمان) بعيدا عن شاطىء الوطن، فلبوا مع السيسي نداء «تحيا مصر».
ومع قدوم يناير من كل عام، تطل علينا وجوهاً قبيحة تشوه الحلم المصري، والمشروع المصري، والأمل المصري الذي ولد في 25 يناير 2011، لست من حواريي ما سمي وقتها بـ «ثورة يناير»، فلقد تردد عقلي في قبولها لإدراكي كم الكوارث التي تعقب الثورات في العالم كله، لكني تعاملت معها بمهنية أثناء عملي كمراسل ومدير مكتب جريدة «الشرق الأوسط» اللندنية، وقدمت وقتها ومعي زملاء أعزاء أفضل التغطيات المهنية الاحترافية للحدث الذي فاجىء العالم، ولا أخفي أني خسرت بسبب «حركة يناير» في كافة مناحي حياتي، وأهدرت لأجلها فرصاً مهمة أثرت في مستقبلي، لكني أبدا لم ألعنها أو أعاديها، وأكتشفت مع مرور السنوات ملامح عبقريتها، وأراها رغم قسوة ما أحدثته في الجسد المصري المهترىء، إلا أنها أعادت إليه الروح فأسترد بعض عافيته، وعاد من جديد إلى الوجود.
بعدها ربما نتفق أو نختلف مع ما حدث في 30 يونيو 2013، لكني أراها من زاوية التاريخ السياسي (وبعيدا عن فكر الإخوان الـتأمري)، حدث راشد أسترد به المجتمع المصري دولته الوطنية وأعادها إلى طريقها التقليدي، وفق قناعته بأن الثورة فعل لا يناسب أو يتناسب مع الحالة المصرية الراهنة، وهذا ما أتفق عليه كثير من الوطنيين (الحكماء) الذين ناشدوا ثوار يناير في 2011 في أوج ثورتهم، وتمنوا منهم أن يقبلوا حلولا أقل راديكالية وأن يهبطوا بسقف طموحاتهم ويرشدوا مطالبهم، حتى لا يضيع الوطن.
لقد استغل الإخوان هذا الطموح الجارف في دفع الأحداث إلى الهاوية، فطاشت الثورة العظيمة وتقزمت وتقلص طموحها تدريجيا، وتشرذم عشاقها الحقيقيون وأصاب الإكتئاب قلوب الحالمين بها ومعها، حتى تدخلت إرادة الله وأنقذت الوطن، ربما لن يدرك هؤلاء الحالمون المكتئبون حزنا على حلمهم الضائع، قيمة ما حدث بفضل الله وجيش مصر القوي إلا بعد سنوات بعيدة، وقتها سيترحموا على ابائهم الذين هجروا "الكنبة" في 30 يونيو، وفوضوا عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013، ولازالوا رغم قسوة جراحته الإقتصادية والسياسية يجددوا له التفويض، لأنه أملهم الأخير بعد أن أسقطت (يناير ويونية) الأقنعة عن كل المزايدين بالوطن ومحبته.
لقد وثق المصريون في السيسي أولا لخلفيته العسكرية التي ضمنت لهم وطنيته في لحظة فارقة، ثم بعد أن اختبروه خلال الأعوام الخمسة الماضية، تيقنوا من همته وجديته وحماسه وإخلاصه، فتصالحوا مع يناير وحركتها وأدركوا أنها هي التي حركت مياه راكدة آسنة، ودفعت برئيسهم الحالي ليتقدم الصفوف.. ويقود مصر في رحلة العودة إلي مصاف الدول الفاعلة في العالم.
شكرا يناير.. وشكرا شباب مصر الذي أنتفض في 25 يناير.. وقدم للعالم في 18 يوم .. ملحمة وطنية خالدة.. وكل عام ومصر بشبابها في خير.




 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 23 يناير 2019

الأربعاء، 16 يناير 2019

هل إبراهيم حمدي.. إرهابي؟؟



تابعت احدى حلقات سلسلة وثائقية بعنوان «نهايات غامضة» تذيعها فضائية الجزيرة (المارقة)، وكان بطل الحلقة المناضل الفلسطيني الراحل وديع حداد، القيادي المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وصاحب التاريخ النضالي المشرف، وصاحب شعار «وراء العدو في كل مكان»، والذي حققه فعلاً من خلال عمليات خطف الطائرات الشهيرة في مطلع سبعينات القرن الماضي قبل ان تنتهي حياته عام 1978 في ظروف غامضة وتتفرق اتهامات قتله حائرة بين ثلاثة دول هي العراق والجزائر أخر بلدين عاش على أرضهما، ثم ألمانيا حيث مات في إحدي مستشفياتها قبل أن تستقر الجريمة في النهاية عند اسرائيل التي اعترفت قبل سنوات باغتياله.
تابعت قصة البطل الفلسطيني وانا استرجع في أسى التراث المنسي للقضية الفلسطينية، وبينما كنت غارقاً في تأملاتي باغتني نجلي العزيز، الذي تسلل هاربا من دروسه ساخراً: «ده ارهابي.. بيخطف طيارات ويرعب الناس.. زي صاحبك إبراهيم يا بابا؟؟»، فنهرته ليعود الي مذاكرته متحججا بها كي امنح نفسي وقتا للتفكير، قبل ان ادخل في مبارزة فكرية يهزمني فيها صغيري كما فعلها من قبل عندما اضطر مغصوبا ان يشاهد معي فيلم «في بيتنا رجل» المأخوذ عن قصة حقيقية أبدعها في رواية، أستاذنا إحسان عبد القدوس، وقدمت  سينمائياً في فيلم من أشهر كلاسيكيات السينما المصزية، جسد فيه دور «إبراهيم حمدي» بطل الرواية والفيلم، النجم المصري العالمي عمر الشريف، وأخرجه هنري بركات.
يومها سألني أبني سؤالاً صعباً ومزلزلاً: «ابراهيم ده ارهابي.. صح ولا لأ يا بابا، ده قتل وخوف الناس في الشوارع.. أنتوا ازاي شايفينه بطل؟»؟؟؟، ساد بيننا صمت طويل، قبل أن أعلن مجبراً انه بالفعل ارهابي، وأن ارتكابه لجريمة الاغتيال السياسي بهدف مقاومة الاستعمار لا يمنحه اي شرف ولا يحقق له اي بطولة. حاولت قبل هذا الإعتراف الخطير، تبرير فكرة المقاومة بالعنف والدم من منطلق «فقه الزمان» الذي يلتمس للأجيال السابقة العذر على أخطائهم التي ارتكبوها في الماضي، لمحدودية رؤيتهم في حينه أو اندفاعهم وراء تيارات فكرية سيطرت على عقولهم، في سياق هوس الموضة التي تهيمن في مرحلة زمنية على جيل ما.
كلامي لم يكن مقنعا للصغير الذي انقطعت صلته بالماضي بصورته النمطية التي ترسخت في جيلنا واجيال سبقته والتي تمنح قداسة خاصة لبعض الشخصيات والحكايات دون إدراك أنهم ربما يكونوا مجرمين، وقد يصل الأمر إلي تأصيل قصصهم في تراثنا الشعبي، فنمنحهم بطولة لا يستحقوها.
هذا ما تؤكده القصة الحقيقية لبطل رواية «في بيتنا رجل»، حسين توفيق الذي شكل عام 1946 مجموعة تضمه مع أبن خالته إبراهيم كامل (أصبح فيما بعد وزير خارجية مصر)، ومحمد أنور السادات (رئيس الجمهورية الأسبق)، وأخرين أتهموا في قضية إغتيال وزير المالية المصري أمين عثمان، وقد أختبأ الهارب حسين توفيق في منزل إحسان عبد القدوس لمدة 10 أيام، قبل أن يفر متخفياً في زي ضابط بوليس إلي سوريا، وذكر إحسان القصة في مقال له بعنوان «بينى وبين حسين توفيق»، فى مجلة «الاثنين والدنيا» عدد يوليو 1948.
وبعد أن فر حسين إلى سوريا بعث بخطاب إلي إحسان يخبره فيه، أنه في طريقه لمحاربة الصهيونية، حيث أنه انضم إلي حركة القوميين العرب، وهي الحركة نفسها التي بدأ منها وديع حداد نضاله الوطني، قبل أن يغادرها ويؤسس مع جورج حبش الجبهة الشعبية.
وإذا كان وديع قد تخصص في خطف الطائرات، فإن توفيق أشتهر وهو طالب ثانوي بحرق سيارات الإنجليز، قبل أن يتخصص في الإغتيال السياسي، وتنتهي رحلته مسجوناً في قضية الإخوان الشهيرة عام 1965 بتهمتي السعي لقلب نظام الحكم ومحاولة إغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، الذي قدمت في عهده قصة نضال حسين توفيق في رواية إحسان عبد القدوس ثم على المسرح عام 1959 والسينما عام 1961، قبل أن تقدم تليفزيونيا في التسعينات فخلدته بطلاً أسطوريا في مخيلة أجيال من المصريين.
لا شك اننا امام محنة فكرية معقدة تستدعي مراجعة تاريخنا النضالي وتنقيته من قصص ربما تربك عقول أبنائنا الذين يعيشون عصرأ مختلفاً تحكمه أدبيات وأخلاقيات مغايرة، وهذا قد يستدعي تجديداً للخطاب الثقافي والفكري، يتزامن مع ما يرجوه البعض من تجديد لخطابات مجتمعية آخرى باتت تستحق ذلك.
 *نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 16 يناير 2019




الأحد، 6 يناير 2019

ألفية الـ«صوت».. وقصتي مع الأزهر




لا شك أنها مسيرة حافلة ورحلة نجاح تستحق الاحتفاء والتقدير، لقد خاضت  الصحيفة الأزهرية اليافعة معارك كثيرة، وقفزت خلال سنوات عمرها خطوات مهمة ومؤثرة في فضاء العمل الصحفي منذ أن أسسها الأمام الراحل محمد سيد طنطاوي وصدر عددها الأول في الأول من أكتوبر عام 1999. لتبقى صحيفة «صوت الأزهر» نموذجا إعلاميا فريدا خلال رحلتها الممتدة عبر أعدادها الألف والتي انطلقت من مقرها الدائم في قاعة الإمام محمد عبده بجامعة الأزهر، تحت قيادة المرحوم جمال بدوي رئيس تحريرها الأول، حتى تألقت مع رئيس تحريرها الحالي الصحفي القدير أحمد الصاوي، الذي انتقل بها إلي مصاف الصحف المؤثرة والفاعلة.
شاء قدري أن تأخذ علاقتي مع الصحيفة منحى خاص، منذ أن وطأت قدامي مقرها المهيب عام 2000  لزيارة صديقي المحترم عبد الخالق صبحي سكرتير تحرير الجريدة الحديثة (وقتها)، ومدير تحرير الأهرام المسائي حالياً، والذي طرح علي فكرة العمل في «صوت الأزهر» فقابلت مدير تحرير الجريدة، وعملت لفترة قصيرة ثم سافرت بعدها، وتعدد الأسفار وتنوعت الوظائف والأعمال في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية، حتى حكم الإخوان مصر في عام 2012، بعدها بشهور نقل إلي الزميل الخلوق وليد عبد الرحمن رغبة رئيس تحرير الصحيفة، في أن أكتب مقالا أسبوعيا فقبلت مرحبا، وكنت وقتها مدير مكتب جريدة «الشرق الأوسط» بالقاهرة، ورغم كثرة المشاغل في ذاك الزمان الثوري، إلا أني كنت حريصا على زاويتي الأسبوعية في «صوت الأزهر»، والتي أخترت لها عنوانا موحيا وهو «رواق التجديد».
لكنني توقفت عن الكتابة مضطراً بعد تفشي الفجر الإخواني، وانفضاح الهوس والجنون بالسلطة الذي كشفه الإعلان الدستوري الشهير في ديسمبر 2012، وقتها أدركت أن حساسية علاقة الأزهر بالجماعة واضطرابها المستمر، بسبب مواقف الشيخ الطيب الحاسمة منهم ومن حكمهم ومن محاولاتهم المستمرة للعبث والتدخل في شئون المؤسسة العريقة، لا تحتمل مشاغباتي في مقالاتي بالصحيفة، فانسحبت بهدوء، سعيدا بما كتبته برغم قلته، والذي كان فاتحة علاقة مختلفة وممتدة مع الصحيفة الأسبوعية الأقرب إلى قلبي.
ثم جاء العام 2017، وحدثني الزميل الفاضل سالم الحافي رئيس تحرير «صوت الأزهر»، عن رغبة الأزهر في تطوير الصحيفة وعن خطته لذلك والتي رأي أن مقالا أسبوعيا بقلمي «المشاغب» ربما يكون  أحد أشكال هذا التطوير، وفي الأول من فبراير 2017 أنطلق قطار التطوير صحفيا وفنيا، فخرجت الصحيفة في صورتها الجديدة، وبعد أسابيع قليلة أنضم رئيس التحرير الحالي لقيادة العمل، وأشهد له ببراعة مهنية فائقة جعلت الصحيفة محل اهتمام جميع الدوائر السياسية والإعلامية، وأذكر له اختياراته الرائعة لأغلفة الصحيفة التي استوقفت وسائل إعلام غربية ودعمت عندهم ملامح التطور والتجديد الأزهري التي يوليها الأزهر وشيخه أهمية قصوى.
في هذا المناخ المبدع الذي وفره أحمد الصاوي، ومن خلفه المؤسسة العريقة وقياداتها، وبصحبته فريق عمل مخلص يتقدمه الزميل وليد عبد الرحمن والمخرجة الفنية عالية عبد الرءوف صاحبة الماكيت الرئيسي للجريدة، والمخرجتين المبدعتين شيماء النمر وخلود الليثي، وجنود مجهولون في أقسام التدقيق والمراجعة والإنتاج والمطابع والتوزيع والإدارة والحسابات، تدفقت مقالاتي خلال ما يقرب من عامين واقتربت من حاجز المائة مقال، تمتعت بحرية لم تصادفني في أي وسيلة إعلام مصرية، وهو أمر لو تعلمون عظيم في هذه المرحلة الإعلامية المرتبكة التي نعيشها، لهذا لا أملك إلا الشكر والتقدير لصحيفتي الشابة التي وصلت إلى عامها العشرين، وإلى كل أبنائها المخلصين، وأتمنى لها ولهم المزيد من النجاح.





الأربعاء، 2 يناير 2019

الجنادرية 33.. والسعودية الجديدة



رغم إزدحام ساحات الجنادرية الشاسعة، بكل ألوان التراث السعودي، إلا أن العيون كانت تحلق في كل الأرجاء منبهرة بما وصلت إليه المملكة من حاضر مشرق، أسشتعرنا أوجهه منذ أن وطأت أقدامنا العاصمة الرياض لحضور المهرجان الوطني للتراث والثقافة، الذي أنطلقت فعالياته يوم الخميس 20 ديسمبر 2018 بحضور الملك وكبار رجال المملكة وضيوفها من كل بلاد العالم، وشرفت أن أكون بينهم وبصحبة عدد من أعضاء الوفد المصري، ضم كلاً من: د. محمد عثمان الخشت، د. محمود علم الدين، د. هيثم الحاج علي، د. عبد المنعم سعيد، د. هشام عطية، ومحمد سلماوي، د. علاء عبد الهادي.
وعقب مشاهدتنا لأوبريت الافتتاح «تدلَّل يا وطن»، الذي سبقَتْه جولة بين أجنحة «الجنادرية» ختمناها بسباق الهجن، ثم ما تلاه لأيامٍ من ندواتٍ ثقافية أُعِدَّت ببراعة لتجمَعَ أهمَّ أوراق العمل في أبرز القضايا الفكرية التي تشغل العقل السعودي والعربي والإسلامي، قبل أن تختطِفَنا شوارعُ الرياض وأحياؤها في جولاتٍ سياحية وفكرية. تأكَّدْتُ بعدها أن السعودية قيادةً وشعباً، معاً على طريق الانفتاح (غير المسبوق)، وأن القيادة والشعب امتلكوا قدرة فائقة على استيعاب وإدارة هذا الانفتاح، وأن سنوات الصبر لم تمرَّ هباء، بل كانت إستعداداً لهذه اللحظة الحتمية، التي تمثِّل الثقافة ركيزةً أساسية لها، لهذا اختارت حكومة المملكة أن تكون لها وزارة مستقلة بعد أن كانت جزءاً من وزارة الإعلام، ويبدو أن نهج «تدليل» الشعب هو هدف وفلسفة لدى القيادة السعودية، لهذا وُجِد للترفيه هيئة مستقلة، تمَّ تغيير قياداتها قبل أيامٍ ضمنَ حزمة أوامر ملكية جدَّدَت دماء مجلس الوزراء السعودي وبعض الهيئات الحكومية، في إطار «حزم وعزم» دائمين تنتهجهما حكومة خادم الحرمين وولي عهده محمد بن سلمان، منذ أن اعتلى الملك سلمان سدة الحكم في 23 يناير 2015.
لقد وصلتنا رسالة «الجنادرية 33»، التي بلورها مهرجانها، وهي الرسالة التي أكدتها فاعلياتها الناجعة، والتي اشتملت في مجملها على أهداف هذا المهرجان (الدوري) الذي انطلقت أول دوراته عام 1985، والتي يلخصها «مزج التاريخ العريق مع الحاضر المزهر»، فالجنادرية تهدف إلى التأكيد على الهوية العربية الإسلامية للمملكة وتأصيل الموروث الوطني السعودي ومحاولة الإبقاء والمحافظة عليه.
وكانت أهم الندوات التي حضرتها ومثلت جزءاً رئيسياً من البرنامج الثقافي للمهرجان، ندوة «الشخصيات المكرمة» هذا العام، وهم: د. علي الدفاع، والأستاذ عبد الفتاح أبو مدين، ود. سمر الحمود، وندوة «المرأة في رؤية المملكة 2030»، وندوة «القدس مفتاح السلام للصراع العربي - الإسرائيلي»، وندوة «تجديد الخطاب الديني»، وندوة «الأمن السيبراني»، وندوة «الدبلوماسية السعودية والاستقرار الإقليمي والعربي والدولي»، وندوة «الهوية الوطنية في زمن التجاذب والتحولات الفكرية»، وجدير أن أتوقف أمام موضوعين منهما، وهما المرأة والدبلوماسية السعودية، فالمرأة هي كلمة السر في التغيير الحاصل في المملكة، فبعد أن مُنِحت حقها في القيادة مع استصدار القوانين التي تكفل لها الحماية وحرية الحركة داخل المجتمع، استعادت السعودية نِصْفَ طاقتها المعطلة، ورفعت عن كاهل اقتصادها عبئاً ثقيلاً، فانطلق المجتمع السعودي إلى المنافسة الحضارية، لقد شعرت بالسعادة أثناء متابعتي في ندوة المرأة بالمهرجان لأربعِ نساء على المنصة، متحدثات لبقات يشرفن وطنهن وعروبتهن وإسلامهن، يناقشن ببراعة ومهارة حضور يتداخل رجاله ونساؤه في جلوسهم، ولا يفصلهم إلا حاجز الاحترام المتبادل.
أما «الدبلوماسية السعودية» فقد قفزت من الندوة وأصبحت الحدث الأبرز، نهاية الأسبوع الماضي، بعد ما جرى من تغيير في حقيبة الخارجية السعودية، بتولي إبراهيم العساف منصب الوزير خلفاً لعادل الجبير الذي تراجع خطوة إلى الخلف، وأصبح وزير دولة للشؤون الخارجية، وظني أن هذا التغيير في واجهة «الدبلوماسية السعودية»، يمنحها دعماً استراتيجياً تحتاج إليه في معارك شرسة، استجدت على المملكة أخيراً، تستهدف إضعاف سرعة تقدمها نحو المستقبل، الذي تتطلع إليه بقوة وأمل بسواعد أبنائها وحماس ولي عهدها الشاب محمد بن سلمان الذي يردد السعوديين كلماته بفخر، ومنها قوله: «دائماً ما تبدأ قصصُ النجاحِ برؤيةٍ، وأنجَحُ الرُّؤى هي تلك التي تُبنى على مكامنِ القوة»، من رَحِمَ الفكرة وُلِدَتْ قصة نجاح القيادة السعودية في بناء «رؤية المملكة في 2030»، التي تبشِّر بميلاد السعودية الجديدة.




* نشر في جريدة "صوت الأزهر" بتاريخ 2 يناير 2019

الأربعاء، 28 نوفمبر 2018

اطفي النور يا سعد


كنتُ صغيرًا عندما التقطَتْ أذناي هذا الهتاف الشهير: «اطفي النور يا سعد...»، حاولتُ بعدها، ولسنوات ٍتاليةٍ، التعرُّفَ على سعد، وفَهْم سر مناداته بإلحاح لكي «يطفي النور»، وماذا يحدث عندما يسود الظلام المرجوُّ؟. وكبرتُ وفهمتُ أن «سعد» هو كلُّ مَن يضع نفسَهُ وسيطًا في صفقة مشبوهة، يتواطَأُ فيها على قناعاته، ويتمكَّن من «إغلاق كُبْس النور» لينتَشِرَ الظلامُ ويسودَ الحرام.

لم ينتقِص الهتاف الشهير من قيمة أيِّ شخص يحمل اسم «سعد» عندي؛ فبقي للزعيم الخالد «سعد» زغلول قدرُهُ وقيمَتُهُ، أما الأستاذ «سعد» الدين وهبة فهو مثلي الأعلى في تنوُّع الموهبة وتعدُّد العطاء في مجالات الإبداع مع قدرة فريدة على إدارة المؤسسات الثقافية، والكاتبِ الصحافيِّ الراحل «سعد» هجرس قيمة وقامة مهنية كبيرة، وكان له مكانةً خاصةً في قلبي، ورغم كل ما أُثِير أخيرًا، ما زلتُ من المعجَبين باجتهاد الدكتور «سعد» الدين الهلالي، ومحاولاتِهِ الإبحارَ عكسَ التيار، وصمودِهِ في معاركَ فقهيةٍ متعددة، منذُ صعودِهِ المفاجئِ، وظهورِهِ المسنودِ في المشهد الإعلامي بدفعة معتبرة من «سوبر ستار» الفضائيات الشيخِ خالد الجندي.

إلا أن «سعد» هذه المرة أخلفَ الوعد، وخذَلَ البعض، وأشعَلَ نيران معركةٍ فقهيةٍ من العِيارِ الثقيل، أحرقَتْهُ ومن خلفِهِ رعاة التجديدِ الكلامي البعيد عن الفِقْهِ الإسلامي، كما أن المعركة منَحَتْه عضويةَ جماعة «الإجابة تونس» الشهيرة، التي شَرَحْتُ دورها ومكانتها في مقال سابق.
وقد تأججَتْ النيرانُ بفعل تصديق مجلس الوزراء التونس خلال اجتماعِهِ مع الرئيسِ الباجي السبسي على مسوَّدة قانون الأحوال الشخصية الذي يتضمَّنُ أحكامًا بالمساواة في الميراثِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، وبعدها بساعاتٍ تطوَّعَ الدكتور الهلالي بعلمِهِ الغزيرِ مروِّجاً للقانون التونسي باعتباره نموذجًا مثاليًّا للتجديد، وخطوةً لا يقوى مجتمَعُنا المصري على فعلها، مؤكداً على أن القانون لا يخالِفُ الشريعة الإسلامية، وزاد الهلالي من أحاديثه الطيبة لتحلِيَة بضاعتِهِ (المطَّاطيَّة)، ليُدخِلَ البسطاء من عموم المسلمين في متاهاته الفقهية تحت لواءِ التجديد، فتعمى الأبصار في سائر الأمصار، ويسود الظلام.

ولأنَّ الأمر جَلَل، فلقد أصدرت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بيانًا حاسمًا حول قضيَّة «ميراث المرأة» رَفَضَتْ فيهِ كلَّ ما جاء بالقانون التونسي (ومحاولةَ التلبيسِ المصرية)، ووصفَتْ من يُرَوِّج لها بـ«المضللينَ بغير علمٍ»، كما أصدر فضيلة مفتي الجمهورية الدكتور شوقي علام بيانًا للردِّ حول مشروعية المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، تواكب ذلك مع ردود فعل قوية منسائر علماء المسلمين داخل مصر وخارجها، رفضًا لهذا القانونِ المخالِفِ للشرعيَّةِ الإسلاميَّةِ، واستهجانًا لرأيِ أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الدكتور الهلالي، وقد تطوَّعَ مركزُ الفتوى الإلكترونيةِ بالأزهر الشريف للردِّ على آرائِهِ تفصيلًا، ومقارعته بالحُجَّة الشرعية، وتفنيد كل ما جاء في أحاديثِهِ الإعلامية حول قانون الميراث التونسي.

وبيان كبار العلماء ومفتي الجمهورية ومركز الفتوى وغيرها من آراء علماء الأمة، كلها متاحة تفصيلًا على معظم المواقع الإلكترونية (رغم تراجُعِ بعض المواقع عن نَشْرِ بيان هيئة العلماء بطريقةٍ غيرِ مفهومة)، وأقترِحُ على كل مسلم قراءة هذه الآراءِ وتفهُّمَها كي يُضيء نورَ عقلِهِ الذي أطفأَهُ هذا التيهُ الفقهي.

وكان أبلغ الكلام في هذا المقام، حديثَ فضيلةِ الشيخ علي جمعة، حيث أوضح في برنامجه التلفزيوني «والله أعلم» قائلاً: «إن الحكايةَ تحتاج لكلامٍ مفصَّلٍ في هذا المجال، أوله أنَّ تونس بلد لا ينصُّ في دستوره على أنه دولة إسلامية»، وأضاف مفتي الجمهورية السابق: «إن أستاذ الفقه المقارن الدكتور سعد الهلالي، الذي تحدث عن تقليدِ تونس في المساواةِ بينَ الرجلِ والمرأة في الميراث، لديه مشكلة منهجية في طريقته في عرضِهِ للآراء، وهي أنه يتكلَّمُ بشيء يناقِضُ أولُه آخرَهُ، وآخره أولَه، وهو يتحدَّثُ عن المساواة في الميراث من باب التراحُمِ، هذا حقٌّ يُراد به باطل، وهو يقول إن مصر لن تفعلَ ذلك وتقلّد تونس إلا بعد 30 سنة، أقول له (بعد الشر إن مصر تعمل مثل تونس)»، وختم فضيلته مخاطبًا الدكتورَ الهلالي: «ليسَ هكذا يا سعدُ تُورَدُ الإبل، (دا دين هنُسأل عنه يوم القيامة)».


*نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 28 نوفمبر 2018

الاثنين، 22 أكتوبر 2018

الإمام الأكبر يتقلَّد «السجل الأكبر»



«لا أكتمُكُم سرًّا إذا ما قلتُ لكم إن أسعدَ الأوقات عندي هي الجلوسُ الهادئ إلى صفحات كتابٍ، يُعبِّر عن ذلك بيت شاعر العربية أبي الطَّيِّب المتنبي - رحمه الله -: (أعزُّ مكانٍ في الدُّنا سرجُ سابحٍ * وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ). إن المعرفةَ هي أعز ما يُطلب، وهي أوَّلُ واجب على العقلاء، وهي تراث الأنبياء، كما قال نبي الإسلام: {إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ}؛ وهي طريق المؤمن إلى الجنة، وقد أوجبها نبي الإسلام على أتباعه رجاًلا ونساءً وأمرهم بطلبها حتى لو كان العلم في أقصى الأرض، قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ».
كانت هذه العبارات الطيبة، التي تحوي عميق المغزى ونفيس القيمة، جزءًا من  كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر عقب تكريمه من جامعة "بولونيا" الإيطالية، أقدم جامعات أوروبا، ومنحه وسام «السجل الأكبر»، وهو أرفع وسام تمنحه جهة أكاديمية لعدد من الزعماء السياسيين والدينيين والمفكرين والعلماء.
وكان التكريم، ضمن فعاليات زيارة شيخ الأزهر إلى إيطاليا التي كانت المحطة الثالثة والأخيرة لجولته الخارجية الناجحة، حيث شَارَكَ الإمامُ الطيِّبُ رئيس مجلس حكماء المسلمين في مؤتمرٍ عالمِيٍّ عن «الأديان.. والثقافة والحوار» الذي نَظَّمَتْه جمعية «سانت إيجيديو» في مدينة بولونيا الإيطالية، بحضور نخبة من كبار الشخصيات الدينية والثقافية في العالم، كما التقى فضيلته بعدد من كبار المسئولين الإيطاليين في العاصمة روما، في مقدِّمَتِهِمْ الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا.
وقد اشتملت جولةُ الإمام الأكبر أيضًا على زِيارَةِ كُلٍّ من دولَتَيْ كازاخستان وأوزبكستان، حيث شارك في عَدَدٍ من الفعاليات، والتقى كبار المسئولينَ في البلدَيْنِ، كما تَمَّ تقليده الدكتوراه الفخرية من جامعة «أوراسيا الوطنية» بكازاخستان، كما منح الدكتوراه الفخرية من أكاديمية أوزبكستان الإسلاميَّة الدَّوْلِيَّة، التي تُعَدُّ أوَّلَ دكتوراه فخرية في تاريخ الأكاديمية.
وتعكِس الرحلات الخارجية لفضيلة الإمامِ الأكبر، حِرْصَهُ على نَشْرِ رسالةِ الأزهر وتأكيدِها وتجديدِها في مختَلَفِ دُوَلِ العالم، وتفعيل دَوْر المؤسسةِ العريقة في إرساءِ وترسيخِ دعائمِ السلام والتعايُشِ المشترك بين الشُّعُوبِ والمجتمعات المختلفة، وهذا ما أكدته عبارات الإمام الطيب في كلمته بجامعة بولونيا، حيث قال: «ليس الأزهرُ أيُّها السادة – كما تعلمون – مجرَّدَ معهد عريق أو جامعة عالميَّة، ربّما كانت هي الأقدمُ في تاريخ الإنسانية من حيث تواصُلُ عطائِها دونَ تَوَقُّفٍ، منذ إنشائه حتى يوم الناس هذا. بل هو في جوهرِه منهج علمي، وخطابٌ فكرى متمَيِّز، ورسالة سلام عالمي طريقها الحوار والتفاهم».
كما يبرز أيضًا دورُ الأزهر في مواجهةِ الإرهاب والتطرُّفِ، الذي يُحاوِلُ استخدامَ الدينِ للتشويش على عقول الناس وتضليل الشباب من خِلالِ المفاهيمِ المغلوطةِ التي تُنشَرُ باسم الدين، فهو الدَّوْرُ الذي يُعوَّلُ على الأزهر فيه، خصوصًا مع بشائرِ ما ظَهَرَ في السنوات الأخيرة من خططِ تطويرٍ وإصلاح وتجديد الخطاب الديني في مصر ومحيطها الإسلامي والعربي، وقد جاءَتْ كلمة فضيلته التي ألقاها في افتتاح مؤتمر قادة الأديان، بالعاصمة الكازاخية آستانة، لتعكِسَ عمقَ رؤيته لقضية الإرهاب حيث قال شيخ الأزهر: «إنَ عقيدتي في موضوع «الإرهاب» – وقد أكون مصيبا وقد أكون غير ذلك - هي أنه ليس صنيعة لا للإسلام ولا للمسيحيَة ولا لليهوديَة كأديانٍ سماويَة، وكرسالاتٍ إلهيَة بَلَغَها أنبياء الله ورسله: موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولكنه صنيعة سياسات عالمية جائرة ظالمة ضَلَّت الطَريق وفَقَدَت الإحساس بآلام الآخرين من الفقَراء والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدونَ سبيلا».
عندما أتابع الاهتمام والاحتفاء الدولي بشيخ الأزهر، ومدى التقدير الصادق للإمامِ الأكبر في كُلِّ جولاته الخارجية، بما يمثِّلُهُ من رمزية للإسلام الوسطي المعتدل، أفخر بأن مصر هي بلدُ الأزهر الشريف.



*نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 17 أكتوبر 2018

الجمعة، 12 أكتوبر 2018

حديث الإنسان عبد الفتاح السيسي



«يا ترى إيه الفرق بين هشام عشماوي، وبين أحمد المنسي؟».
بهذا السؤال ختم الرئيس السيسي كلمته (المرتجلة) فى ختام الندوة التثقيفية الـ29، والتي جاءت مواكبة لاحتفالات الجيش بذكرى الانتصار الغالي فى أكتوبر 1973، وعبر هذا الختام عن فلسفة ومجمل محتوى حديث الرئيس، الذي ألح وكرر فى مستهله أنه حديث «الإنسان» وليس «رئيس مصر»، ليمنح نفسه حرية التحدث إلى الحضور والرأي العام المصري والعالمي بعفوية وصدق، ويعبر عن مشاعره كإنسان ومواطن مصري عاش لحظتين فارقتين فى تاريخ مصر، يرى أنهما يستحقان المقارنة، وهما مرحلة ما بين 67 و73، والمرحلة التي تعيشها مصر منذ عام 2011، وحتى يتحقق الوعد الرئاسي بـ«مصر الجديدة» فى 30 يونيو 2020.
وحدد الرئيس فارقا جوهريا بين المرحلتين، مؤكدا أن المعركة لم تنته وما زالت موجودة بمفردات مختلفة، فمعركة الأمس غير معركة اليوم فى أدواتها، والعدو والخصم كان واضحا وأصبح الآن غير واضح، متابعا: «بقى معانا وجوانا واستطاعوا بالفكر إنشاء عدو جوانا».
وبين سطور الحديث الرئاسي (الإنساني)، وضحت رغبة الرئيس فى توصيل رسالة  للشعب المصري، وهى أن مصر فى معركتها الحالية تحتاج إلى التضحية دون انتظار مقابل، وأن نستلهم فى ذلك روح صناع معجزة أكتوبر، الذين خرجوا بسيارة «سيات» يسابقون سيارة «مرسيدس» كما وصفهم الرئيس قائلاً: «قولوا الكلام دا .. عشان مش عيب بالعكس.. اللى بيركب عربية سيات ويسابق المرسيدس يتقاله برافو».
بلغ الرئيس قدرا غير مسبوق فى الصراحة عندما تحدث عن القدرة العسكرية للقوات المسلحة المصرية فى أكتوبر 1973، واصفا إياها بأنها كانت أقل بكثير من قدرات العدو، وبأننا لم نكن لنستطيع تخطى مسافة الـ20 كيلومترًا شرق قناة السويس بعد عبور القوات، والتي تحددت مسبقاً قبل قيام الحرب، والتي ادعى البعض أنه كان يمكن لقواتنا أن تطور هجومها وتصل إلى منطقة «المضايق»، وكان الأستاذ هيكل من أكثر من كرروا هذا الكلام، وسجله بشكل تفصيلي فى كتابه المهم «أكتوبر 73 السلاح والسياسة».
وقد أشار الرئيس إلى هيكل ولكن فى حادثة أخرى، قائلاً: «كانت هناك مقالة للكاتب الراحل محمد حسنين هيكل تتحدث عن تحديات العبور، وتتضمن تفاصيل عن قدرة وإمكانيات هذا الساتر وخط بارليف فى منع القوات المصرية من العبور، وقال الروس إن هذا الأمر يحتاج إلى قنبلة ذرية لاقتحامه والتعامل معه، ونحن لا نملك القنبلة الذرية، وإن 30 أو 40 ألفًا وقد يصل إلى 50 ألفًا من القوات التي ستعبر القناة ستستشهد نتيجة العبور فى ظل هذه الظروف».
ورغم تطرق الرئيس إلى (منغصات) حياة المواطن المصري فى هذه المرحلة، وفى مقدمتها ارتفاع الأسعار، وضرورة إلغاء الدعم الذي يقف عقبة رئيسية فى سبيل التنمية، إلا أنه لم يغفل الحديث عن الإنجاز الذي تحقق بفضل المصريين، لكنه حذر من أن كل ما تم تشييده من إنجازات سيهدر ويختفي بدون فهم ووعى المصريين، متابعا: «كل اللي بيتعمل وزيادة 100 مرة لو مكنش فى وعى وكتلة تخاف على بلدها فى الجيش والشرطة وأجهزة الدولة والجامعات ولدى الرأي العام فى مصر، أى حاجة تتبنى ممكن تتهد».
وعن سؤال الختام، الذي بدأنا به المقال عن الفارق بين البطل والإرهابي، قال الرئيس: «ده إنسان وده إنسان، وده ظابط وده ظابط، والاثنين كانوا فى وحدة واحدة، الفرق بينهم إن حد منهم اتلخبط وممكن يكون خان، والتاني استمر على العهد والفهم الحقيقى لمقتضيات الحفاظ على الدولة المصرية وأهل مصر، بنصقفلوا، والتاني عاوزينه علشان نحاسبه».

فى رأيي الشخصي المتواضع كان حديث الرئيس (الإنسان) صادقاً من القلب ولهذا وصل إلى قلوب معظم المصريين.

🇪🇬🇪🇬🇪🇬=============🇪🇬🇪🇬🇪🇬
نشر في مجلة «روزاليوسف» بتاريخ 13 أكتوبر 2018
🇪🇬🇪🇬🇪🇬=============🇪🇬🇪🇬🇪🇬

التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...