الخميس، 27 سبتمبر 2018

سر رحلة السيسي السنوية للأمم المتحدة




لماذا يحرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على زيارته السنوية إلى مدينة نيويورك الأميركية لحضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر من كل عام، مسجلا هذا العام رقم قياسيا في الحضور (حيث يترأس وفد مصر في اجتماعات الشق رفيع المستوى من اجتماعات الدورة 73) ، ليكون بذلك أول رئيس مصري يحضر خمس دورات متتالية لاجتماعات الجمعية العامة، بل إن زيارات السيسي الخمس للأمم المتحدة يفوق عددها مجموع زيارات جميع قادة مصر إليها منذ إنشاء المنظمة الدولية؟
وللإجابة على هذا السؤال اجتهدت هيئة الاستعلامات المصرية في رصد مشاركات الرئيس السابقة، وأصدرت كتاباً باللغتين العربية والانجليزية يتضمن تحليلا لنتائج الزيارات الأربعة السابقة للجمعية العامة، لتوضح للرأي العام داخلياً وخارجياً، مدى أهمية هذه الزيارات التي أسست لشكل الدولة المصرية الجديدة في عهد ما بعد 30 يونيو 2013، ودعمت الوجود العالمي للنظام المصري في أهم محفل دولي.
ويذكر كتاب هيئة الاستعلامات الذي جاء تحت عنوان (السيسي في الأمم المتحدة 2014: 2018)، إلى أن الرئيس السيسي ألقى خلال هذه الزيارات خطبًا رسمية كان أهمها خطاباته الأربعة أمام جلسة الجمعية العامة، والتي تمثل كلمة مصر الرسمية في المنظمة الدولية، إضافة إلى كلماته وخطبه في عدد من المؤتمرات والقمم الأخرى التي عقدت بمقر الأمم المتحدة خلال فترة انعقاد الجمعية العامة.
ويرصد الكتاب، استثمار الرئيس السيسي وجوده في نيويورك لعقد عدد كبير من اللقاءات والاجتماعات الجماعية والثنائية مع قادة وزعماء من مختلف قارات للعالم وكذلك مع العديد من المسئولين في المنظمات الدولية وممثلي الدول الأخرى في اجتماعات المنظمة الدولية، ووفق حصر الهيئة لهذه اللقاءات فإنها بلغت 55 لقاء على مستوى القمة.
ويحلل الكتاب، عدداً من الملامح التي ميزت مشاركات الرئيس الأربع خلال الفترة الرئاسية الأولى وأثمرت في النهاية العديد من النتائج السياسية باستعادة مصر مكانتها في محيطها الإقليمي والعالمي، وشجعت المجتمع الدولي على دعم جهود مصر السياسية والاقتصادية.
وقد جسدت مشاركات الرئيس في هذه الاجتماعات السنوية، الإدراك الكامل لأهمية هذا المنبر العالمي لمخاطبة المجتمع الدولي بكامله، والتواصل معه، وعودة صوت مصر على أعلى مستويات القيادة إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، تأكيداً لاهتمام مصر بدور المنظمة الدولية وضرورة تعزيزه واستعادة تأثيره في النظام الدولي على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خاصة في الفترة الراهنة التي يمر فيها النظام العالمي بتغييرات متتالية في توازن القوى وطبيعة ونمط العلاقات الدولية.
وتؤكد هيئة الاستعلامات في كتابها التحليلي الهام، على أن مشاركة الرئيس في دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة تعد رسالة إعلامية إلى شعوب العالم، بقدر ما هي رسالة سياسية ودبلوماسية، في الوقت الذي يواجه المجتمع الدولي أشكالًا من التحديات المشتركة التي تهدد السلم والأمن والحياة على الكرة الأرضية مثل قضايا الإرهاب، واللاجئين، والتغيرات المناخية، والأزمات الاقتصادية، وانتشار ثقافـات العنف والتطرف على نحو يتطلب تعاونًا دوليًا كاملًا.
جهد مميز من الهيئة التي استعادت رشاقتها وحنكتها السياسية وتراكمها المعرفي وقدراتها الإعلامية تحت قيادة الزميل القدير ضياء رشوان، الذي أعاد لهذه المنصة الإعلامية البارزة وجودها وأهميتها، فعادت تلعب دورها الصحيح لتصبح جسر تواصلنا الواعي مع العالم الخارجي.


* نشر بجريدة "صوت الأزهر" بتاريخ 26 سبتمبر 2018

الأحد، 2 سبتمبر 2018

مبادرة «إبداع إيجابي»



يمثل ميلاد مصطلح (إبداع إيجابي) وما تبعه من (مبادرة)، حلًّا ناجزًا (في ظني)، قبل أن يجرفنا طوفان العبث المسيطر على المشهد الإبداعي، الذي حوَّل الحالةَ الإبداعيةَ لحالة إفساد متكاملة الأركان، وبات التعرض لمعظم إبداعات هذا الزمان جريمة قتل ممنهجة للنفس، حيث العنف والعري والعَتَه، في تحالفٍ تاريخي مع السذاجة والركاكة والبلادة، لتكونَ النتيجة الطبيعية لهذا السخف هي مُعظَم ما نُعانِيه من أمراض العصر.
لقد وقعنا أسرى منذ سنوات لما يمكننا تسميته بتيار «الإبداع السلبي»، الذي اجتاح في غفْلَةٍ من مبدعينا مختلفَ مجالات الفنون والآداب، وأطاح زبانيتُهُ وفق معطيات السوق بمنطق البناء الخلَّاق للإنسان، الذي يُعَدّ أسمى ما يقوم به الإبداع، وتحوَّل كل ما يُفرِزُه هؤلاء إلى معاول تهدم الفرد وتدمِّر المجتمع، لن أتوقف عند أسماء أو أعمال، فالجميع يعلم، والجميع يحلم بإيجاد مخرج لأزمة الإبداع، ولمحنة المبدعين.
وفي ظل هيمنةِ الإبداعِ السلبي على كلِّ إنتاجنا الفني والثقافي، وتفشِّي العنف والسوقيةِ والبذاءةِ في العديد من الإبداعاتِ المعاصرة، وضعفِ المستوى الفنيِّ لمعظمِ ما يُقدَّم من أعمالٍ خلالَ السنوات الأخيرة. أصبحَتْ الحاجةُ مُلحَّة لوجودِ تيارٍ إبداعيٍّ جديدٍ يقاوِمُ هذا القبحَ، ويجدِّدُ الدماءَ في جَسَد الإبداع المصري المتكلِّس، ويتماهى مع الأفكار الجديدة التي نجَحَتْ وأثَّرَتْ في المجتمعات المتقدمة.
إن «الإبداع الإيجابي» ينتمي بشكل واضح لتيار «الإيجابية» في التفكير الذي تسلَّلَ إلى حياتنا خلال السنوات الأخيرة، بفعل علماء النفس والاجتماع من المتخصصين في «علم النفس الإيجابي». وقد أسهَمَتْ آلياتُ التفكيرِ الإيجابي في إحداث تأثير مدهِشٍ في مختلفِ مناحي حياتِنا، وفَرَضَ مصطلح «الطاقة الإيجابية» وجوده بقوة لما يمثِّلُه من حافزٍ قويٍّ لإحداث تغييرات صحية وفاعلة في حياتنا، وأصبح من المصطلحات المحببة لدى معظم شعوب العالم، وأصبحت «الإيجابية» هي المفتاح السحري للدخول إلى كل العقول.
والإيجابية في الإبداع لن يكونَ لها شروط ولن تعملَ وِفْقَ أُطُرٍ أو أنظمة صارمة، بل هي تيار فكري محفِّز يتماهى مع العصر، ويستوعب كلَّ مدارسِ الفنِّ والثقافة والآداب، ينشِّطُ المبدعين ويشجِّعُهُم بدعم مشروعاتهم الإبداعية، وفق منهج الإيجابية في التفكير، وفي التدبير، في كل مراحل العملية الإبداعية، منذ أن يُولَدَ المشروع فكرةً، مرورًا بشقِّ الطريق الصعب وتمهيده لتنفيذه، وحتى يتحول إلى عمل إبداعي مكتمل، وهذا ما سيصبح أكثر وضوحًا مع تفعيل #مبادرة_إبداع_إيجابي التي تمثِّل «فتح انطلاقة» لأجيال قديمة وجديدة من مبدعينا في مختلف المجالات.
ولا يهدف مقالي فقط إلى تسجيل حقِّي التاريخي في مصطلح «إبداع إيجابي»، لكنه احتفالًا بفكرةٍ مميَّزة ولدت وسطَ زحامِ الأفكارِ اليائسةِ التي أضناها البحثُ عن مَخرجٍ حقيقيٍّ وصادق لأزمة الإبداع في بلادي، ولأزمتي مع الإبداع في ظلِّ مناخٍ قاتلٍ لأيِّ موهبةٍ ومفسِدٍ لأيِّ موهوب.
وُلِدَ تيار «ابداع إيجابي»، وتخطَّى بإيجابية عثرات المخاض، وانطلَقَ للعملِ مباشرةً بمبادرةٍ نظُنُّها جديدةً وفريدةً على سوقِ الإنتاج الفنيِّ في مصر والعالم العربي، وستُسهِمُ «مبادرةُ إبداع إيجابي» في إنتاجِ وتسويقِ ثلاثةِ أعمالٍ فنيَّةٍ كخطوةٍ أولى، وقبل أن ينتهي عام 2018 ستكونُ هناك خُطَّة مبشِّرة للعام المقبل تدعمُ انتشارَ تيَّارِ #إبداع_إيجابي وتضمَنُ تأثيرَه في شكلِ المشهدِ الإبداعيِّ المصري والعربي خلال السنوات المقبلة.
يصاحِبُ المبادرة، التي أتمنى أن ينضمَّ إليها مثقفينا ومبدعينا، حملةٌ إعلاميةٌ لتأصيل المصطلح وتعميق دلالاتِهِ وفَتْحِ مناقشة عامة حول السبل والآليات التي تمكِّن المجتمع من تحقيق الهدف المنشود من وجود تيار #إبداع_إيجابي، وهو ظهور أعمال فنية وأدبية تمنَحُ المصريينَ طاقة إيجابية تدعم قدرتهم على تحمل الحياة.





الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

فتاة «التجمع» في حماية الأزهر



دَعَمَ الأزهر الشريف ببيانِهِ الناجعِ.. الناجِزِ.. عن ظاهرةِ «التحرش»، مَظَلَّةَ الحمايةِ المجتمعية، التي بدَأَتْ تتشكَّلُ لحمايةِ «منة جبران» المعروفة إعلاميًّا بـ«فتاةِ التجمُّع»، صاحبةِ الفيديوهاتِ المتداوَلَةِ على «السوشيال ميديا»، التي تحوَّلَتْ قصَّتُها إلى قضيةٍ شغَلَتْ الرأيَ العامَّ المصري خلال شهر أغسطس الحالي، وعُرِفت بقضية «تحرُّش التجمع».
وتضمَّنَ البيان الأزهري الذي صدر قبل يومين، رسائلَ مهمَّة تحسم بؤر الفتن التي اشتعلت بصورة غير مفهومة خلال الأسابيع الأخيرة، وطالت مفاهيم أساسية وبَدَهِيَّة، ضاعت أمام طوفان الهزلِ الذي صاحب قصة «فتاة التجمع»، الذي وصل إلى ذُروَتِهِ بالهجوم على الفتاة، وتعرُّضها للفصل من عَمَلِها، وبلغت المأساة حدَّها بإعلانِ محامي الشاب المعروف بـ«متحرش التجمع»، عن تقدُّمِه ببلاغ للنيابة العامة ضد منة جبران، واعتبر المحامي، في مداخلةٍ هاتفيَّةٍ مع أحد البرامج الفضائية، ما قام به الشاب تجاهَ الفتاة ليس تحرشًا، وأعرب عن تعجُّبِهِ مما وصفَهَ بـ«ذبحِ الشابِّ»، قائلًا: «لو استمرّينا بهذه الطريقة هنحبس نص شباب مصر، ولازم نكون مستوعبين الفكرة، وإن دول في الآخر شباب».
بينما أعلَنَ المجلسُ القومي للمرأة، تضامنَهُ الكاملَ مع «فتاة التجمُّع» ضحيةِ واقعةِ التحرُّشِ، وأكَّدَتْ الدكتورة مايا مرسي رئيسةُ المجلس تواصُلَها مع الفتاة لتأكيد التضامُنِ معها، واستعدادها لتقديم جميعِ أوجُهِ المساندة القانونية لها في قضيتها، مشددةً على ضرورة تنفيذ القانون ضد مرتكبِ هذه الواقعة حتى يكونَ عِبرة لكل من تسول له نفسه ارتكاب تلك الجرائم الشائنة.
وقد أسهم بيان الأزهر الشريف عن التحرُّش، الموفَّق في توقيته، المختَصَر في كلماته، القاطع في حسمِهِ لهذا  الجدل المتزايد، حيث جاء فيه: «تابَعَ الأزهر الشريف ما تداولَتْه وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة من حوادثِ تحرُّش، وصل الأمر في بعضها إلى حدِّ اعتداء المتحرِّش على مَن يتصدى له أو يُحاوِل حماية المرأة المتحرَّش بها، فيما سعى البعض لجعل ملابس الفتاة أو سلوكها مبررًا يُسوِّغ للمتحرش جريمته النكراء، أو يجعل الفتاة شريكةً له في الإثم».
وشَدَّدَ الأزهرُ على أن التحرش - إشارة أو لفظًا أو فعلًا-  هو تصرُّف محرُّم وسلوك منحرف، يأثم فاعله شرعًا، كما أنه فعلٌ تأنف منه النفوس السويّة وتترفع عنه، وتنبذ فاعله، وتجرمه كل القوانين والشرائع، يقول تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا» (الأحزاب: 58).
وأكد البيان أن «تجريم التحرش والمتحرِش يجب أن يكون مطلقًا ومجردًا من أي شرط أو سياق، فتبرير التحرش بسلوك أو ملابس الفتاة يعبِّر عن فهم مغلوط لما في التحرُّش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها، فضلًا عما تؤدي إليه انتشار هذه الظاهرة المنكرة من فقدان الإحساس بالأمن، والاعتداء على الأعراض والحرمات».
وإذا كانت بعض التقارير الغربية قد وصفت مدينة القاهرة باعتبارِها من المدن الأخطر على النساء، فإنَّ جريمة قد لوَّثَت شاطئ إسكندرية بالدماء قبل أيام بسبب واقعةِ تحرُّش، انتهَتْ بمقتلِ زوجِ الضحية بعد أن طعنه المتحرش بسكين، الجريمة سجلها أحد المواطنين بكاميرا هاتفه المحمول، لتجد طريقها إلى صفحات «السوشيال ميديا»، التي انفجرت تنعي القتيل وتواسي زوجته، وتصدر هاشتاج #اعدموا_المتحرش_القاتل مواقع التواصل الاجتماعي، ليضعنا «الدم» جميعًا أمام الخطر، ليكن بمثابة إنذار أخير لنحتشد، وننقذ مجتمعنا، ونقف صفًّا واحدًا لنحمي ونفدي نساءنا.
وهذا أيضًا ما أكد عليه الأزهر الشريف في ختام بيانه المهمّ، مشيرًا إلى أنَّ تحضُّرَ المتجمعات ورقيَّها إنما يُقاس بما تحظى به المرأة من احترام وتأدُّبٍ في المعاملة، وبما تتمتع به من أمان واستقرار وتقدير، فعندما أراد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم التدليل على علوِّ شأن الإسلام واستقرار أركانه، اتخذ من شعور النساء بالأمن مؤشرًا على ذلك، فجاء في الحديث الصحيح: "لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ (المرأة المسافرة في الهودج) تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ (موضع قرب الكوفة)، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ".

الخميس، 16 أغسطس 2018

شغل الـ«جلا جلا» في قصة «حجاب حلا»



كشَفَتْ قصَّةُ خَلْع الممثلة المصرية السابقة حلا شيحة لحجابها (أو نقابها)، عوارًا اجتماعيًّا فاضحًا وخللًا فكريًّا واضحًا٬ يستدعي جهادًا تنويريًّا من أهل الفكر والرأي ومشايخ العلم، لرَأْب هذا التصدع الخطير الذي كشف عن جهل كبير، انعكس في الانقسام المتطرف بين وجهتي نظر، كلتاهما باطلة.
وقد صاحَبَ وقائعَ القصة وفصولَها، صَخَبٌ صبياني (هيصة وزفّة) إعلامي، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وأدلى الآلافُ برأيهم وتنابذوا بـفِقْهِهم، وكالعادة تم الزج بـ«الإسلام»، وخرج من يدافع من لاصقي الذقونِ مدعي التديُّن المتمسحين في السلفيَّة، وفي المقابل انبرى مَن يهاجم الإسلام، من رافعي شعارات العلمانية، عُشَّاق الشهرة بحرق ثوابته والرقص فوق تعاليمِهِ.
وبفعل هذا الصخب تحوَّلَتْ قصَّةُ شخصية تخصُّ ممثلة متواضعة، قدَّمَت عددًا محدودًا من الأفلام السينمائية ضعيفةِ المستوى، نحو 10 أفلام خلال سبعِ سنوات، قبل أن تعتزل فجأة وترتدي النقاب لمدة 12 عامًا، أُشيعَ أنها مارست دورًا دعويًّا في آخر أربع سنوات منها، لا شك عندي أنه كان أكثر تواضعًا من مستواها كممثلة.
وحلا شيحا، ليست أول المعتزلات العائدات فقد سبقها كثيرات خلال الربع قرن الماضي الذي تبلورت فيه ظاهرة «اعتزال الفنانات»، التي قيل عنها الكثير ولم يثبُتْ منه إلا النذر القليل، ومما قيل تمويل دولة إسلامية (نَفْطِيَّة) ودَعْم عدد من مشاهير الشيوخ والدعاة الجدد لتجنيد الفنانات وإبعادِهِمْ عن التمثيل، ولكن الملفَّ كان قد طواه النسيان منذ سنوات.
وعودة حلا جدَّدَتْ ذكرياتِ الرأي العام العربي مع هذا الملف الخطير الذي كاد يغرق في بَحْرِ الذكريات، مع ملفَّات أخرى كثيرة طَفَحَتْ على أجندة الاهتمام بلا أيِّ منطق أو مبرر ثم اختفت فجأة أيضًا، وهو ما أكد شكوكًا دائمة حول وجود أصابعَ خفِيَّةٍ تحرِّك هذه الملفات لخدمة أهدافٍ وأغراض غير مرئية.
ولمزيد من الإثارة، ظهر فيديو لملتحٍ يبكي حزنًا على خلع حلا لنقابها، مع الإيحاء الضمنيِّ من هيئته وطريقة حديثه بأنه سلفي، أعقبه تغريدة لحساب يقال إنه لابنة خيرت الشاطر القيادي الإخواني المعروف والمسجون حاليًا على ذِمَّة عدة قضايا، لتكتمل الدائرة وتدخل القصة منعطفًا جديدًا، يدفَعُها إلى دوائرِ السياسة التي تغلي بحثًا عن ثقب للتنفيس، ومع تصاعد أبخرة السياسة وغبارها، دلف دراويش الدين وأعداؤه كل طرف يصرخ في وجه الآخر في مشاجرة فقهية حول «الحجاب» حتى كادا يمزقانه، فدخل الدين من جديد كطرف في معركة هو أبعد ما يكون عنها، وتجدَّدَ سيِّئُ الكلام عن الإسلام، وفتح الباب لبحث مشروعية الحجاب، فخرج الجميع وراء السراب.
وحسم وزير الأوقاف الدكتور مختار جمعة الجدل حول «الحجاب» في أحد الحوارات التليفزيونية مساء الاثنين الماضي عندما سأله المذيع عن «عودة حلا شيحا» فردَّ قائلًا: «يجب أن نفرق بين الشرع الثابت وبين إجبار الناس على حمل الشرع، ولا إكراه في الدين»، مؤكدًا على إجماع الفقهاء وعلماء المسلمين على حجاب المرأة، مؤكدًا: «لا يمكن تغيير نصوص الدين وأساسياته، والحجاب فرض، ولا نجبر أحدًا على الالتزام به، لأن الإسلام دين رحمه وليس إجبار، وما علينا إلا النصيحة، مثل صيام رمضان والزكاة ننصح المسلمين بضرورة الالتزام بهم، ولكن حسابهم عند الله وحده فقط».
أما الجدلُ حول قصة حلا نفسها بعيدًا عن الحجاب فلن يحسمه أهل الدين، بل هو ملك لمن يتلاعب بالقصة، وأستطاع أن يصنع منها «تريند» على السوشيال ميديا ليعكس قدرته على إثارة اهتمام الناس والتلاعب بهم كيفما شاء.

✍🏻 نشر في جريدة الـ«صوت الأزهر» بتاريخ 15 أغسطس 2018

الأربعاء، 1 أغسطس 2018

تأويل حديث «الدين» في جامعة القاهرة



هل حَمَلَتْ كلماتُ الرئيس السيسي في مؤتمر الشباب الأخير الذي جَرَتْ فعاليَّاتُهُ قبلَ أيامٍ في جامعة القاهرة، أيَّ هُجُومٍ على الأزهر أو مشايخِهِ؟ 
لِمَن لم يُتابِعْ، لم يحدث هذا مطلقًا، ما قيل كان كلماتٍ يؤكِّدُ فيها الرئيس على فلسَفَتِهِ في التغيير، ورغبَتِهِ المستمرَّةِ في التجديد والتطوير، بوصفِهِ رئيسَ البلادِ وقائدَ جيشِها الذي يدفع أبناؤُهُ كلَّ يومٍ من دِمَائِهِمْ، فاتورةَ التفسيراتِ الخاطئة والمتطرفة للدين، فوجَبَ عليه في كلِّ فرصة أن يُذَكِّر بهدفِهِ الكريم (تجديد وتطوير الخطاب الديني) بحُكْمِ مسئوليَّتِه أمامَ الله وأمامَ الشعب المصري.
وهو حديثٌ جاءَ في إطار البرنامج الرئاسيِّ لتطوير التعليم، الذي يمثل «الدينُ» عصبًا رئيسيًّا وركيزةً مهمةً ومؤثِّرةً فيه، وكلامُ الرئيس ورسائلُهُ الجديدة والقديمة تصلُ بانتظامٍ لكلِّ المسئولينَ عن هذا الملفِّ في الدولة، ومنهم مؤسسةُ الأزهر الشريف (جامعًا وجامعةً)، الذين بدورهم يترجمونَها إلى خُططٍ وسياساتٍ يتمُّ تنفيذُها وفقَ توجُّهاتِ الدولةِ المصرية.
لكنْ وكالعادةِ تَطَوَّعَ أو تنَطَّعَ أو دَفَعَ بعضُهُم ليبدأَ موسمًا جديدًا في الهجوم على الأزهر فَقَطْ، وكأنَّه المعنيُّ وحدَهُ بالتطويرِ والتجديدِ، وكأنَّ كُلَّ التطرفِ الذي يستشري في العالم بسببِ العِلْمِ الأزهري، مغفلينَ (عمدًا) عواملَ عدةً بينها الاقتصاديُّ والسياسيُّ والاجتماعيُّ، تقِفُ وراءَ ظاهرةِ الإرهابِ الدينيِّ التي تمثِّلُ ملمحًا واحدًا من أوجهٍ كثيرة لظاهرةِ الإرهاب والعُنفِ التي تجتاحُ العالمَ منذُ سنواتٍ بفعل تراكُماتٍ محليةٍ وإقليميةٍ ودوليةٍ، وصراعاتِ أممٍ على مصائرِ شُعُوبٍ، يختزلُها هؤلاءِ المأجورونَ (داخليًّا وخارجيًّا) في الإسلام فقط.
وللذكرى، أُحِيلُكُمْ إلى توصيات مؤتمر الشباب بشرم الشيخ (أكتوبر 2016)، حيثُ وَجَّهَ الرئيس السيسي الحكومةَ بالتعاونِ مـع الأزهـرِ الشريـف والكنيســة المصريـة وجميــعِ الجهات المعنيــة بالدولة بوَضْعِ ورقـةِ عمـلٍ وطنيـةٍ تمثل استراتيجيةً لوضعِ أسسٍ سليمة لتصويب الخطاب الديني في إطار الحفاظ على الهوية المصرية بجميعِ أبعادِها الحضارية والتاريخية.
أمَّا عن إشاراتِ الرئيس التحفيزية لرجال الدولة من الوزراء والمسئولينَ، التي يُطلقُها بين الحينِ والآخرِ (والتي يُضَخِّمُها بعضُ الإعلاميينَ)، فقد كانَ لفضيلةِ الإمام الأكبر نصيبٌ منها، حيث عاتَبَه الرئيس مازحاً: «تعبتني.. يا مولانا»، في كلمته أثناءَ احتفال الشرطة المصرية بعيدها في يناير 2017، وهي إشارات تأتي في سياقِ لطفٍ الرئيس وتباسطه، معبراً بـ«خفةِ دمٍ» مصرية معهودةٍ فيه، عن رسائلَ خاصةٍ تحملُ قدرًا كبيرًا من المحبة، وتحوي مغزى التذكيرِ بإحدى تكليفاتِهِ المهمة، وما يُغفِلُه مدمنو الهجوم والصيد في الماء العكر، عدد المرات التي أشاد فيها الرئيس بالأزهر وشيخه وعلمائه في لقاءاتٍ متعددةٍ ومواقفَ مختلفةٍ.
لن أحدِّثَكُم عما بَذَلَه الأزهرُ من جهدٍ متواصلٍ للتجديد والتطوير، فلِلأَزهرِ شيخٌ يحكِيهِ، وقادةٌ ومشايخُ يجيدون عَرْض ما يبذلونَه من أجل رِفعة الإسلام وتأصيلِ رسالته بنشر أفكاره في كلِّ أرجاء العالم، من منطلق الدورِ التاريخيِّ للمؤسسةِ الوسطيةِ العريقة، التي يعرف القاصي والداني قَدْرَها، بينما يُهيلُ عليها نفرٌ من الجهلاء حثالةً من كَلِمَاتِهِمْ المدفوع.
والمؤسف أن تتجدَّدَ حملات الهجوم على الأزهر، في وقت كان من الوفاء أن نقومَ بشكر الأزهر تقديرًا على النجاح الباهر لزيارة شيخه التاريخية للمملكة المتحدة (أشرس معاقل الإسلاموفوبيا في العالم)، ومشاركة الإمام الطيب في منتدى صُنَّاع السلام بلندن، واستقبال ملكة بريطانيا لفضيلته في قصرها، مما عكس تقديرَ بلادِها لرئيسِ مجلس حكماء المسلمين ورمزِ الأزهر؛ أهمِّ مُؤَسَّسة إسلامية في العالم.
وختامًا، أُكَرِّرُها لهم لعلهم يفهمون.
الفقر (العِوَز) هو زاد الإرهاب. 
الظلم (القمع) أقوى دوافع الإرهابي.
الكبت السياسي (التهميش) هو المناخ المثالي لتفشي الإرهاب.
تجديد الخطاب الديني وحده لن يمنعَ الإرهابَ ولن يقضي على التطرف، قبل زوال البيئة والأسباب التي ينمو فيها هذا الفكر المدمر.


*نشر في صحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 1 أغسطس 2018

السبت، 7 يوليو 2018

البحث العلمي في مواجهة الإرهاب




قبل عام طرحت فكرة، حول مدى إمكانية أن يصل العلماء إلى «تطعيم طبي» يحمي ويقي من التطرف، كنت مدركاً أن الفكرة تبدو غريبة في عالمنا العربي، في الوقت الذي يحلِّق فيه علماء الغرب ويطاردون أحلامهم للوصول إلى أهداف مشابهة، أكَّدَها تردد أنباء عن أبحاث سرية تجري في مختبرات أوربية وأمريكية على عدد من الإرهابيين الذين تم القبض عليهم في السنوات الأخيرة.
وقد أعادني للفكرة ولأفكار أخرى مشابهة ترجمة  نشرتها جريدة دولية، لمقالة تحليلية عن مجلة «نيوسانتيست» العلمية البريطانية، تناول فيها الكاتب والصحافي بيتر بايرن ظاهرة التطرف والتشدد، وآراء العلماء والاختصاصيين حول مختلف جوانبها. وكتب بايرن، الذي يعمل في ولاية كاليفورنيا الأميركية، مقالته أثناء وجوده في مدينة الموصل أثناء الحرب على «داعش»، وهو يتوجه لنشر كتابه «علوم دولة الخلافة الإسلامية» هذا العام.
وعن التساؤل حول دوافع الإرهابيين؛ أي السؤال: «ما الذي يدفع الفرد إلى التضحية بالنفس من أجل فكرة؟»، يعرض الكاتب ما يقوله سكوت أتران، العالم في الأنثروبولوجيا بجامعة أكسفورد البريطانية الذي شملت أبحاثه مناطق كثيرة في العالم؛ حيث يوضح أتران قائلاً: «الجهاديون» يدمجون هويتهم الشخصية مع المجموعة، ويتقبلون «الأفكار المقدسة». والأفكار المقدسة قيم لا يمكن لهؤلاء التخلي عنها أو تبديلها بقيم مادية. ويقول أتران إن الأفراد الذين يؤمنون بمثل تلك القيم يحتلون مكانة عالية؛ إذ إن كل أفراد المجموعات المتشددة يعدونهم أشخاصا يتمتعون بقوى روحية تلهم كل المجموعة على العمل.
العالم من حولنا يلهَث وراء العلم والمعرفة لتحقيق نتائج حاسمة وقاطعة للسيطرة على الإرهاب والقضاء على التطرف الديني خلال أقصر فترة ممكنة، يشجعهم نجاحات واكتشافات علمية مؤثرة ذات صلة، منها تحديد بضع «طفرات جينية» يمكن أن تُنبِئَ عن السلوك العنيف. حيث توصل باحثون بمعهد كارولينسكا في السويد مؤخرًا إلى طفرتين جينيتين يبدو أنهما على علاقة طردية مع السلوك الإجرامي العنيف، وذلك وفق ما نُشِر في العديد من الدوريات العلمية.
وبينما قال طبيب الأعصاب المعروف الدكتور جراف مان في دراسة حديثة نُشِرت بمجلة «نيوروسيكولوجيا» إن «(المرونة الدينية) تعتمد على صحة منطقة الدماغ التي تحكم الانفتاح»، فيما أكَّدَت أبحاث أخرى على أن إصابات الدماغ المؤلمة قد تؤدي إلى نماذج بشرية أكثر تطرفًا في معتقداتهم الدينية، بينما أكد علماء من جامعة نورث وسترن في إلينوي أنهم اكتشفوا وجود صلة بين الصدمة وعدم رغبة الشخص في قبول أفكار جديدة، وهي صلة يقول الباحثون إنها تجعل بعض الناس أكثر حماسًا بشأن إيمانهم. وفي الوقت ذاته، يعكف علماء الأعصاب على محاولة استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي لقياس النشاط داخل المخ لتكوين فهم أفضل لأنماط السلوك البشري، وربما توقّع مَن الذي قد يُقدِم يومًا على ارتكاب عمل إرهابي.
يفتقر العلماء حتى هذه اللحظة إلى تفهُّم عميق لآليات الاعتقاد والتطرف داخل المخ لكن جهودهم مستمرة (في العلن)، وربما يتمكنون خلال أيام أو شهور(علم عددها عند الله)، من أن يصلوا على وجه التحديد إلى جين أو نشاط معين بالمخ مرتبط بالنزعات الإرهابية، وإن كنتُ لا أشكّ في أن العديد من وكالات الاستخبارات حول العالم تسيطر على فيض كبير من هذه المعلومات العلمية النادرة، وأنهم قد اختبروها جيدًا، وهم مستمرون في العمل (سِرًّا) لكشف التركيب الجيني والحيوي للمتطرفين، ثم ستكون قفزتهم الكبرى بإنتاج لقاح بشريّ أو حيوانيّ يحتوي على أجسام مضادَّة لـ«فيروس الإرهاب»، أرجو ألا نفاجَأ في عالمنا العربي بهذا «المصل» في الأسواق.. قريبًا.
إن مقالي هو محاولة، ربما تفتح آفاقًا أمام نوعية مغايرة من الأفكار التي تحلِّق بعيدًا على استحياء في فضاء خيالنا الفقير، وربما يحفز المقال أو الفكرة بعض علمائنا ليشقوا طريق البحث العلمي، لحل معضلات حياتنا المعاصرة.

*نشر في صحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 4 يوليو 2018

الأربعاء، 13 يونيو 2018

منتخب «ميسي» ينصر فلسطين




إن ما حدث هو بالفعل انتصار معنوي حقيقي للإرادة الفلسطينية على الصلف والغرور الإسرائيلي، في زمان عَزَّت فيه الانتصارات، وتوالَتْ فيه الانكسارات التي تُلاحِقُ القضية منذ أَنْ باعَها العرب وتجَرَّعوا في صمتٍ مطبقٍ قرارًا أميركيًّا أحمقَ بنقلِ سفارة «ترامب» ودولَتِهِ إلى القدس إيذانًا باختطاف المدينةِ المقدَّسة للأبد.
النصر حقيقة مهما تعدَّدَتْ الأسباب وتبايَنَتْ التحليلات، يكفي أن إسرائيل (نفسها) قد ألقَتْ باللوم على الضغط الفلسطينيِّ، واعترفت بأنه كان السبب الوحيد في إلغاء المباراة الوِدِّية التي كان من المقرر أن يلعبَها المنتخب الصهيوني لكرة القدم أمام منتخب الأرجنتين في إطارِ استعدادِ الأخير للمشاركة في بطولة كأس العالم التي تنطلق فعالياتُها الخميس 14 يونيو في روسيا.
واحتفل الفلسطينيون بإلغاء المباراة في غزة، بينما أصدر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بيانًا في رام الله بالضفة الغربية يشكر فيه ميسي وزملاءَه على إلغاء المباراة، معتبرًا الإلغاء «بطاقة حمراء من الجميع في وجه الإسرائيليين لإفهامهم أن لديهِم الحقَّ في لعب كرة القدم ضِمنَ حدودِهِمْ المعترف بها دوليًّا».
في المقابلِ أبدعت إسرائيل مصطلحًا مُخادِعًا جديدًا حيث وصفت ما حدث بأنه «إرهاب كروي فلسطيني»، في محاولة لتشويهِ نضال الشعب الفلسطيني وخداع الرأي العام العالمي، وقد أجرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتصالًا بنظيره الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، في محاولةٍ للإبقاءِ على المباراة، إلا أن الأخيرَ رَدَّ بأنه غيرُ قادرٍ على التدخل.
وكان قد تظاهر جمع من المحتجين خارج مقر معسكر تدريب المنتخب الأرجنتيني في مدينة برشلونة الإسبانية حاملين قمصانًا للمنتخب ملطَّخَةً بالدماء، وداعين ميسي لعدم خوض المباراة، كما دعا جبريل الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم لـ«حرق» قميص ميسي وصُوَرِه في حال مشاركته في المباراة، معتبرًا أن المباراة «تحوَّلَت من لقاء رياضي إلى أداةٍ سياسيةٍ» بسبب إصرار الحكومة الإسرائيلية على أن تكون المباراة في القدس، وكان مقررًا لها أن تُلعَب في حيفا.
أما الطرف الأرجنتيني فقد سعى إلى التأكيد على أن خُطوَتَه كانت رسالة «سلام»، ووفقاً لصحيفة «فوكس سبورت»، فقد اتَّفَقَ ميسي وماسكيرانو، مع باقي اللاعبين على ضرورة إلغاء المباراة، وقد صرح جونزالو هيجوايين لاعب المنتخب الأرجنتيني لوسائل الإعلام قائلاً: «كيف لنا أن نلعب ببال هادئ في الوقت الذي يعاني فيه كثير من الفلسطينيين؟!».
ولكن، هل سيُشبِعُنا انتصار صغير بعد صومنا الطويل؟
أظنه «فاتحَ شهية» فقط.
إن ما قام به ميسي ورفاقه نجوم «التانجو» للشعب الفلسطيني هو «لمسة حانية» قد تُجفِّف بعض دموع الثكالى من الأمهات اللائي سقط أبناؤُهُنَّ شهداء، فداء الوطن الأسير، وهو «شدَّة» على كَتِف أبٍ كسَرَه الحزن على إصابة أو اعتقال ابنه في أحداث مايو الماضي، التي صاحبَتْ النقل المشئوم للسفارة الأميركية، وهو الحَدَث الذي جَدَّد الجراح الفلسطينية، وأشعل من جديد جذوة المقاومة التي خَبَتْ بفعل شيخوخة النضال الفلسطيني الذي جاوز السبعين عامًا، وأصبح ينتظر تجديد شبابه.
إن الانتصارات الصغيرة، تجلب انتصاراتٍ أكبر، وإنجاز استمرار المقاومة والنضال رغم حالة التغييب الكاملة التي يعيشها مجتمعنا العربي، ونقص الدعم بكل أشكاله عن الشعب الفلسطيني، هو أمر يستحقُّ أن يفخر به كل الفلسطينيين، هذا الشعب البطل الذي ما زال يساند قضيته، مضحيًا بكل غالٍ كي يستعيد حقه المسلوب.
انصروا القدس كما فعلها «ميسي»، ولا تخجلوا من دعمكم لفلسطين، فهي تستحق منا الكثير، وإن عَزَّ علينا العطاء فكلمة بسيطة.. طيبة.. ربما تغيِّر تاريخاً وتعيد رسم خرائط الجغرافيا وتستعيد حقاً ضائعاً.
وكل عام وأنتم بخير.


   
                                                    *نشر بصحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 13 يونيو 2018

التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...