السبت، 7 يوليو 2018

البحث العلمي في مواجهة الإرهاب




قبل عام طرحت فكرة، حول مدى إمكانية أن يصل العلماء إلى «تطعيم طبي» يحمي ويقي من التطرف، كنت مدركاً أن الفكرة تبدو غريبة في عالمنا العربي، في الوقت الذي يحلِّق فيه علماء الغرب ويطاردون أحلامهم للوصول إلى أهداف مشابهة، أكَّدَها تردد أنباء عن أبحاث سرية تجري في مختبرات أوربية وأمريكية على عدد من الإرهابيين الذين تم القبض عليهم في السنوات الأخيرة.
وقد أعادني للفكرة ولأفكار أخرى مشابهة ترجمة  نشرتها جريدة دولية، لمقالة تحليلية عن مجلة «نيوسانتيست» العلمية البريطانية، تناول فيها الكاتب والصحافي بيتر بايرن ظاهرة التطرف والتشدد، وآراء العلماء والاختصاصيين حول مختلف جوانبها. وكتب بايرن، الذي يعمل في ولاية كاليفورنيا الأميركية، مقالته أثناء وجوده في مدينة الموصل أثناء الحرب على «داعش»، وهو يتوجه لنشر كتابه «علوم دولة الخلافة الإسلامية» هذا العام.
وعن التساؤل حول دوافع الإرهابيين؛ أي السؤال: «ما الذي يدفع الفرد إلى التضحية بالنفس من أجل فكرة؟»، يعرض الكاتب ما يقوله سكوت أتران، العالم في الأنثروبولوجيا بجامعة أكسفورد البريطانية الذي شملت أبحاثه مناطق كثيرة في العالم؛ حيث يوضح أتران قائلاً: «الجهاديون» يدمجون هويتهم الشخصية مع المجموعة، ويتقبلون «الأفكار المقدسة». والأفكار المقدسة قيم لا يمكن لهؤلاء التخلي عنها أو تبديلها بقيم مادية. ويقول أتران إن الأفراد الذين يؤمنون بمثل تلك القيم يحتلون مكانة عالية؛ إذ إن كل أفراد المجموعات المتشددة يعدونهم أشخاصا يتمتعون بقوى روحية تلهم كل المجموعة على العمل.
العالم من حولنا يلهَث وراء العلم والمعرفة لتحقيق نتائج حاسمة وقاطعة للسيطرة على الإرهاب والقضاء على التطرف الديني خلال أقصر فترة ممكنة، يشجعهم نجاحات واكتشافات علمية مؤثرة ذات صلة، منها تحديد بضع «طفرات جينية» يمكن أن تُنبِئَ عن السلوك العنيف. حيث توصل باحثون بمعهد كارولينسكا في السويد مؤخرًا إلى طفرتين جينيتين يبدو أنهما على علاقة طردية مع السلوك الإجرامي العنيف، وذلك وفق ما نُشِر في العديد من الدوريات العلمية.
وبينما قال طبيب الأعصاب المعروف الدكتور جراف مان في دراسة حديثة نُشِرت بمجلة «نيوروسيكولوجيا» إن «(المرونة الدينية) تعتمد على صحة منطقة الدماغ التي تحكم الانفتاح»، فيما أكَّدَت أبحاث أخرى على أن إصابات الدماغ المؤلمة قد تؤدي إلى نماذج بشرية أكثر تطرفًا في معتقداتهم الدينية، بينما أكد علماء من جامعة نورث وسترن في إلينوي أنهم اكتشفوا وجود صلة بين الصدمة وعدم رغبة الشخص في قبول أفكار جديدة، وهي صلة يقول الباحثون إنها تجعل بعض الناس أكثر حماسًا بشأن إيمانهم. وفي الوقت ذاته، يعكف علماء الأعصاب على محاولة استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي لقياس النشاط داخل المخ لتكوين فهم أفضل لأنماط السلوك البشري، وربما توقّع مَن الذي قد يُقدِم يومًا على ارتكاب عمل إرهابي.
يفتقر العلماء حتى هذه اللحظة إلى تفهُّم عميق لآليات الاعتقاد والتطرف داخل المخ لكن جهودهم مستمرة (في العلن)، وربما يتمكنون خلال أيام أو شهور(علم عددها عند الله)، من أن يصلوا على وجه التحديد إلى جين أو نشاط معين بالمخ مرتبط بالنزعات الإرهابية، وإن كنتُ لا أشكّ في أن العديد من وكالات الاستخبارات حول العالم تسيطر على فيض كبير من هذه المعلومات العلمية النادرة، وأنهم قد اختبروها جيدًا، وهم مستمرون في العمل (سِرًّا) لكشف التركيب الجيني والحيوي للمتطرفين، ثم ستكون قفزتهم الكبرى بإنتاج لقاح بشريّ أو حيوانيّ يحتوي على أجسام مضادَّة لـ«فيروس الإرهاب»، أرجو ألا نفاجَأ في عالمنا العربي بهذا «المصل» في الأسواق.. قريبًا.
إن مقالي هو محاولة، ربما تفتح آفاقًا أمام نوعية مغايرة من الأفكار التي تحلِّق بعيدًا على استحياء في فضاء خيالنا الفقير، وربما يحفز المقال أو الفكرة بعض علمائنا ليشقوا طريق البحث العلمي، لحل معضلات حياتنا المعاصرة.

*نشر في صحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 4 يوليو 2018

الأربعاء، 13 يونيو 2018

منتخب «ميسي» ينصر فلسطين




إن ما حدث هو بالفعل انتصار معنوي حقيقي للإرادة الفلسطينية على الصلف والغرور الإسرائيلي، في زمان عَزَّت فيه الانتصارات، وتوالَتْ فيه الانكسارات التي تُلاحِقُ القضية منذ أَنْ باعَها العرب وتجَرَّعوا في صمتٍ مطبقٍ قرارًا أميركيًّا أحمقَ بنقلِ سفارة «ترامب» ودولَتِهِ إلى القدس إيذانًا باختطاف المدينةِ المقدَّسة للأبد.
النصر حقيقة مهما تعدَّدَتْ الأسباب وتبايَنَتْ التحليلات، يكفي أن إسرائيل (نفسها) قد ألقَتْ باللوم على الضغط الفلسطينيِّ، واعترفت بأنه كان السبب الوحيد في إلغاء المباراة الوِدِّية التي كان من المقرر أن يلعبَها المنتخب الصهيوني لكرة القدم أمام منتخب الأرجنتين في إطارِ استعدادِ الأخير للمشاركة في بطولة كأس العالم التي تنطلق فعالياتُها الخميس 14 يونيو في روسيا.
واحتفل الفلسطينيون بإلغاء المباراة في غزة، بينما أصدر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بيانًا في رام الله بالضفة الغربية يشكر فيه ميسي وزملاءَه على إلغاء المباراة، معتبرًا الإلغاء «بطاقة حمراء من الجميع في وجه الإسرائيليين لإفهامهم أن لديهِم الحقَّ في لعب كرة القدم ضِمنَ حدودِهِمْ المعترف بها دوليًّا».
في المقابلِ أبدعت إسرائيل مصطلحًا مُخادِعًا جديدًا حيث وصفت ما حدث بأنه «إرهاب كروي فلسطيني»، في محاولة لتشويهِ نضال الشعب الفلسطيني وخداع الرأي العام العالمي، وقد أجرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتصالًا بنظيره الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، في محاولةٍ للإبقاءِ على المباراة، إلا أن الأخيرَ رَدَّ بأنه غيرُ قادرٍ على التدخل.
وكان قد تظاهر جمع من المحتجين خارج مقر معسكر تدريب المنتخب الأرجنتيني في مدينة برشلونة الإسبانية حاملين قمصانًا للمنتخب ملطَّخَةً بالدماء، وداعين ميسي لعدم خوض المباراة، كما دعا جبريل الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم لـ«حرق» قميص ميسي وصُوَرِه في حال مشاركته في المباراة، معتبرًا أن المباراة «تحوَّلَت من لقاء رياضي إلى أداةٍ سياسيةٍ» بسبب إصرار الحكومة الإسرائيلية على أن تكون المباراة في القدس، وكان مقررًا لها أن تُلعَب في حيفا.
أما الطرف الأرجنتيني فقد سعى إلى التأكيد على أن خُطوَتَه كانت رسالة «سلام»، ووفقاً لصحيفة «فوكس سبورت»، فقد اتَّفَقَ ميسي وماسكيرانو، مع باقي اللاعبين على ضرورة إلغاء المباراة، وقد صرح جونزالو هيجوايين لاعب المنتخب الأرجنتيني لوسائل الإعلام قائلاً: «كيف لنا أن نلعب ببال هادئ في الوقت الذي يعاني فيه كثير من الفلسطينيين؟!».
ولكن، هل سيُشبِعُنا انتصار صغير بعد صومنا الطويل؟
أظنه «فاتحَ شهية» فقط.
إن ما قام به ميسي ورفاقه نجوم «التانجو» للشعب الفلسطيني هو «لمسة حانية» قد تُجفِّف بعض دموع الثكالى من الأمهات اللائي سقط أبناؤُهُنَّ شهداء، فداء الوطن الأسير، وهو «شدَّة» على كَتِف أبٍ كسَرَه الحزن على إصابة أو اعتقال ابنه في أحداث مايو الماضي، التي صاحبَتْ النقل المشئوم للسفارة الأميركية، وهو الحَدَث الذي جَدَّد الجراح الفلسطينية، وأشعل من جديد جذوة المقاومة التي خَبَتْ بفعل شيخوخة النضال الفلسطيني الذي جاوز السبعين عامًا، وأصبح ينتظر تجديد شبابه.
إن الانتصارات الصغيرة، تجلب انتصاراتٍ أكبر، وإنجاز استمرار المقاومة والنضال رغم حالة التغييب الكاملة التي يعيشها مجتمعنا العربي، ونقص الدعم بكل أشكاله عن الشعب الفلسطيني، هو أمر يستحقُّ أن يفخر به كل الفلسطينيين، هذا الشعب البطل الذي ما زال يساند قضيته، مضحيًا بكل غالٍ كي يستعيد حقه المسلوب.
انصروا القدس كما فعلها «ميسي»، ولا تخجلوا من دعمكم لفلسطين، فهي تستحق منا الكثير، وإن عَزَّ علينا العطاء فكلمة بسيطة.. طيبة.. ربما تغيِّر تاريخاً وتعيد رسم خرائط الجغرافيا وتستعيد حقاً ضائعاً.
وكل عام وأنتم بخير.


   
                                                    *نشر بصحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 13 يونيو 2018

الخميس، 7 يونيو 2018

«رجيم».. رمضان كريم



يبدو أن «نسر الصعيد» محمد رمضان قد اختَصَر (دون قصد) علاقة المصريين (الغميقة) مع الطعام خلال شهر رمضان، فقد تغنى مازحًا في إعلان إحدى شركات المحمول: «واللي يقول لك عامل رجيم.. قول له رمضان كريم».
وبين شطرَيْ الجملة تتأرجح حالتنا في كل عام مع ثبوت هلال الشهر الكريم، ننوي من اليوم الأول الاقتصاد في الطعام، وتحلق بنا الطموحات وراء حلم «الرجيم»، وبعد أن ينتهي إفطار هذا «اليوم الأول»، الذي يشتمل على كل ملامح الكرم الرمضاني المعروف لدى عموم المصريين، تتحطم وتنهار أحلام «الرجيم»، ونحن نلهث بين صنوف الطعام الشهية ونردد في «بلاهة» مأثورة: «رمضان كريم».
والحديث عن ارتفاع استهلاك المصريين (والمسلمين بشكل عام) في شهر رمضان، ليس كلامًا مرسلًا، بل هو واقع أليم نعيشه كل عام، فالدراسات تؤكد أن نحو 83 في المائة من الأسر المصرية تغير عاداتها الغذائية خلال شهر رمضان، ويزداد استهلاك المصريين بشكل ملحوظ من جميع الأغذية، وبحسب تقرير غرفة الصناعات الغذائية المصرية، «فإن معدلات استهلاك السلع الغذائية خلال شهر رمضان يرتفع بمعدل 70 في المائة، عن باقي أشهر السنة، ويرتفع استهلاك منتجات اللحوم والدواجن بنسبة 50 في المائة»، فيما أشار تقرير حكومي إلى أن الأسر المصرية تنفق 250 مليار جنيه سنويًّا على الطعام بما يمثل 45 في المائة من إجمالي إنفاقها السنوي، وشهر رمضان وحده يستأثر بالنصيب الأكبر منها مقارنة بباقي شهور العام، حيث يصل الحجم المتوقع من مبيعات الطعام خلاله إلى 45 مليار جنيه بواقع 1.5 مليار جنيه يوميًّا.
ورغم هذا السلوك الاستهلاكي المنافي تمامًا للشهر الكريم، فإن الأشد قسوة هو ما كشفت عنه آخر الإحصائيات، حيث يتم إهدار نحو 1.3 مليار طن من الغذاء سنويًّا حول العالم، وبتكلفة تزيد على تريليون دولار، وتُعدّ الدول العربية من أكثر الدول إهدارًا للطعام، خصوصًا في شهر رمضان، إذ تذهب أطنان من الطعام للنفايات، وتتصدر المملكة العربية السعودية قائمة الدول العربية الأكثر إهدارًا للطعام، إذ يُهدر المواطن السعودي 427 كيلوجرامًا من الطعام سنويًّا، وتتبعها الإمارات، بواقع 196 كيلوجرامًا، فيما أكد مسؤولون في منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة «فاو»، أن الفرد الواحد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يهدر 250 كيلوجرامًا من الطعام الصالح للأكل سنويا، لافتين إلى أن المواطن المصري الواحد يهدر 73 كيلوجرامًا من الطعام سنويًّا.
مجمل ما تضعنا أمامه الدراسات، أننا أمام نمط سلوكي لا يقبله الإسلام، ولا يليق بالمسلمين الذين حَوَّلوا شهر الامتناع إلى صراع على الإشباع.. وتسابق معظمهم في شبق محموم على الملذات الزائفة، مفرطين في كل شيء، من الطعام إلى المسلسلات حيارى بين خيام الحفلات.
ولا أضيف جديدًا عندما أذكِّرُكم بحكمة الصوم، وقد انتخبت كلمات طيبات، مختصرات (بتصرف) من الخواطر الإيمانية لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله) في تفسيره للآية الكريمة من سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، حيث ذكر أن الآية تحمل «تكليف محبة» من المولى عز وجل لـ«الذين آمنوا»، موضحًا أن الصيام سبب لحصول التقوى، والتقوى ميزة عظيمة وهي جماع الخير، وقد كتب علينا الصيام لنتقي الله، أي نتقي غضبه، ولنهذب شهواتنا، فكل معاصي النفس تنشأ من «شَرَهِ مادِّيَّتِها»، والصيام يضعف وقود المادية، والعبد إذا صام فإنه يتربّى على العبادة ويتروّض على المشقة، وعلى ترك المألوف وعلى ترك الشهوات، وينتصر على نفسه الأمّارة بالسوء ويبتعد عن الشيطان.
وكل عام وأنتم بخير.



                                                                   *نشر بصحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 6 يونيو 2018

السبت، 2 يونيو 2018

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ



يحاصرنا خلال شهر رمضان طوفان (معتاد) من الدراما، في أكبر موسم سنويٍّ لفنون التلفزيون المنَوَّعة من مسلسلات وبرامج وإعلانات، وهو ما اصطُلِح على تسميته بـ«موسم دراما رمضان»، الذي يستحوذ على نصيب الأسد من حصة الإعلانات التلفزيونية السنوية التي تخصصها كبرى الشركات والمؤسسات المحلية والدولية، التي تُعتبر الممول الرئيسي لهذه الصناعة الضخمة والمهمة، التي من المؤسِف أنها أصبحت تتركز فقط في الشهر الكريم، بدعوى أن فُرَص المشاهدة تكون أكبر وأفضل.
هذا المنطق التجاري أفسد علينا الشهر بزِحام الأعمال الْمُلهية للصغار والكبار، التي تحرمهم التركيز المناسب للعبادة، وأيضًا هذا المنطق الحاكم أضرَّ صناعة الدراما التلفزيونية نفسها، هذه الصناعة الاستراتيجية المهمة، التي تُعتَبَر قوة ناعمة مهمة ومؤثرة في دعم الدور المصري في محيطه الإقليمي والعربي.
لستُ مع أصوات تتعالى كل عام وتطالب بمنع الدراما في رمضان، ولكني لستُ مع هذا الكمِّ الكبير من الأعمال التي تخلُقُ حالةَ حصارٍ خانقٍ على المشاهد، كذلك لستُ مع هذا المستوى (المرتبِك) الذي تظهر به معظم الأعمال كلَّ عام رغم ما يبذله صُنَّاعها من جهد رهيب، يجعلهم يواصلون الليل بالنهار في الشهور القليلة السابقة للشهر الكريم، بل إن بعض هذه الأعمال يستمرُّ تصويره في معظم أيام رمضان.
لقد أصبح التعجُّلُ يفرض شروطه وضغوطه على هذه الصناعة ويؤثر بالسلب على شكل ومستوى المحتوى الذي تقدمه هذه الأعمال الفنية المنوط بها أن ترتقي بالجمهور.. تثقف الكبار وتسهم في تنشئة الصغار، مع عدم إغفال دورها الترفيهيِّ الترويحي.
إن مراجعةَ ما قدَّمَتْه الفضائيات المصرية من أعمال درامية في رمضان هذا العام، يكشف لنا ملامح الأزمة التي تزداد عمقًا وتستفحلُ في تأثيرها عامًا بعد آخر، منذ أن أُبعِدَتْ الدولة المصرية خلال السنوات الـ15 الماضية عن ممارسة دورها في توجيه وتنظيم ودعم وإنتاج الدراما المصرية التي تناسب طموحها وتواكب دورها، وتحقِّق أثرها، واكتفَتْ خلال هذه السنوات بالمشاهدة مثلنا، فنتج ما أصبح يحاصرُنا من عبثٍ دراميٍّ، قبل أن تحاول استعادة بعضَ هذا الدور بتوجيهٍ ودعمٍ رئاسيٍّ.
إن حالة «السُّعار» التي أصابت العاملين بالفنِّ (والإعلام) منذ هَبَطَ علينا مصطلح «الترافيك» قبل سنوات، جعل كل صُنَّاع الفن من المبدعين يلهثون بجنون للحصول على أعلى نسبة مشاهدة (أو متابعة أو قراءة أو إعجاب)، لذا هم على استعداد لتقديم كل التنازلات لتحقيق هذا الهدف الذي يضمن لهم الاستمرارية والبقاء في سوق شرسة في منافستها، عديمة الأخلاق في سُبُلِها.
ولهذا طغت أنواع وألوان محددة من الدراما (التجارية)، أغلبها يؤثر بشكل سلبي على المشاهد، وفي المقابل خَرَجَتْ وغابَتْ واختفَتْ ألوانُ الدراما الهادفة التي تحمِل رسائلَ تنويريةً للمتفرِّجِ الذي يعتَبِر الدراما النهرَ الرئيسَ الذي يرتوي منه بالقصص والحكايات التي تمنحه الطاقة الإيجابية والمعرفة الإنسانية.
إن فن الحكي (الدراما) من أقدم الفنون المصرية والعربية، فالحكاية هي الوسيلة الأقدم لنشر الحقيقة وتوثيقها وتوريثها عبر الأجيال، وهو فن رباني باقتدار، ولعل الآية الكريمة من سورة يوسف تُبلغنا بنوع المحتوى المرتجى.. أحسن القصص، حيث يقول تعالى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أوحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ».
فهل نطمع أن يفَكِّر صناع الدراما المصرية في توفير آلية إنتاجية ثابتة لتقديم «أحسن القصص»، التي يحتاج إليها ويستحقُّها المشاهد المصري والعربي؟
أتمنى أن يتحقَّق هذا في العام المقبل، لا سيَّما مع ما يتردد من وجود نية في إعادة ترتيب السوق الدرامية بين كبار المنتجين، وبالتنسيق مع أجهزة الدولة التي أصبحت تلعب دورًا مؤثرًا في توجيهِ هذه الصناعة المهمَّة.
وكل عام وأنتم بخير.



*نشر بصحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 30 مايو 2018

الخميس، 24 مايو 2018

الصراع السنوي على أموال الصدقات




هل يُعقَل أن يمتهِنَ مجتمع بأكملِه التسوُّلَ خلال شهر رمضان الكريم؟
لقد تحوَّلَ الأمر إلى ظاهرة مقلِقَة، أصبحَتْ تُطارِدُنا في الطرقات وعلى الفضائيات، إلحاح مستمِرّ ودعوات مختلفة للتبرُّع، تتخِذُ كلَّ أشكال التأثير الممكنة، حتى وصل الأمر إلى إسهامِ أحد المستشفيات في إنتاج مسلسل دراميٍّ تمَّ تصويرُه بداخلِها كجزءٍ من خطةِ تسويقِها، التي تهدفُ إلى مزيدٍ من التبرُّعاتِ.
لا شَكَّ أن حجم الأموال المقدَّرَةِ لتبرعات المصريينَ من الزكاةِ والصدقاتِ، التي تقترب من الملياراتِ الأربعةِ خلال رمضان فقط (والرقم على عُهدةِ كاتبِنا الكبير وحيد حامد في صحيفة «المصري اليوم»)، تثير شَهِيَّة الكثيرين، وتدفعُهم للتكالُبِ عليها، وهي أموال للأسف لا يعلم من تبَرَّعوا بها أوجُهَ صرفِها، ولا يعلمون أيضًا أن جزءًا معتَبَرًا من هذه الأموال أصبحَتْ تلتهِمُهُ الفضائيات المصرية على سبيل الإعلانات، بدلًا من أن تصل إلى مستحقيها الأصليين وفق النص القرآني في سورة التوبة: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»، صدق الله العظيم.
في عام 2013، دخلت في نقاش (فيسبوكي) مع الكاتب الكبير والصحفي القدير الراحل عبد الله كمال، حول قضِيَّةِ التبرُّع بأموال الزكاة والصدقة إلى الجمعيات الخيرية في ظِلِّ ما أثير حول انتماء بعض هذه الجمعيات وتبعيَّتِها لجماعة الإخوان المسلمين (المحظورة)، كنا في أوائل شهر رمضان الذي بدأ عَقِب أيام قليلة من بيان (3 يوليو) الشهير ثمرةَ ما سُمِّيت بـ(ثورة 30 يونيو)، التي عزَلَتْ محمد مرسي وأسقطَتْ جماعَتَه، فانكشَفَتْ مع هذا السقوطِ شبكةُ العلاقات الداخلية والخارجية (الأخطبوطية) التي شَكَّلَتها هذهِ الجماعة المارقة لتدعمَ وجودها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفضحت خيوط الشبكة هيمنتها على جزء كبير من أموال الصدقات عن طريق جمعيات شرعية مشهرة ومنتشرة في ربوع مصر، مما استدعى من الدولة مصادَرَة أموال عددٍ من هذه الجمعيات حتى لا تُستغلَّ في تمويل أنشطة إرهابية.
وفي حواري مع  الصحفي الراحل انبرى يُدافِعُ (اقتصادياً) عن أنشطةِ الجمعيات وأن هناك ضرورةً مجتمعيةً لتصريف أموال كثيرة، يعجز أصحابها في الوصول إلى مستحقيها وفق القواعد الشرعية، بينما كانت لي وجهة نظر (دينية) ربما يكون من المفيد إعادة طرحها، تزامناً مع الضجة المثارة هذا العام حول (الجمعيات) وأنشطتها وأموالها خاصة بعد التصريح "الغاشم" من مدير إحدى هذه الجمعيات والذي أكد فيه بـ (عنترية) يحسد عليها.. اختفاء الفقر من مصر.
في ظَنِّي أن على كل متبرع بالصدقات تأديةً لفريضة الزكاة (أو تطوُّع الصدقة)، أن يبذلَ قدرًا من الجهد في توصيل هذه الأموال إلى مستحقيها، فليس الغَرَض دفعَ المال فقط، ولكنّ هناك جزءًا تربويًّا شرعه الله في ركن «الزكاة» الذي هو من أركان الإسلام الخمسةِ، وهذا الجزء لا يتحقَّق إلا بالسعيِ والاجتهاد للوصول إلى مستحقيها، والتعامل معهم وإدراك حقيقة ظروفهم وأشكال معاناتهم، والتحرِّي عن ذلك بالاتصال والتواصل المستمر معهم، إن هذه العلاقة من شأنها أن تصنع الكثير في نفوسنا، سواء عند الغَنِيِّ أو الفقير.
وللأسف فإن قدرًا كبيرًا من الاستسهال عند كثيرٍ من القادرين، يتجسَّد في اكتفائِهِمْ بتوزيع أموال الزكاة على حساباتٍ بَنكِيَّة تخصُّ جمعيات خيرية، ويظنُّون أنهم هكذا قد قاموا بتطبيق الفريضة، ربما ألتمِسُ العذر لغير القادرين (صحياً) منهم، أو الأثرياء الذين تُستَحَقُّ عليهم مبالغ كبيرة للزكاة يصعب عليهم تصرفيها بشكل مباشر، لكن أن يكتفي المجتمع كله بالجمعيات، لتصريف أموال الزكاة، فتلك كارثة كبيرة وما نراه هذه الأيام يصدق على صحة رأيي في ضرورة أن يجتهد كل فرد في تصريف أموال زكاته بالبحث في محيطه عن مستحقيها.
بالطبع هذا لا يتنافي مع دورِ الجمعيات وأهميَّتِها، ولكنَّ عليها أن تجتهدَ لتنمي موارِدَها، ولا تكتفي فقط بالتبرعات، فالعاملونَ على هذه الأنشطة المجتمعية يُدرِكُون أن قانون تنظيم عملها قد أتاح لها وسائل متعددة لتقوم بتنمية مواردها.
ولا يفوتُني هنا أن أشجع كلَّ مبادرة شخصية يقوم بها مجموعة من الأهل أو الأصدقاء، لتصريف ما تيسر لهم من أموال الصدقات، ولكن أحذرهم من أن يحذوا حذو الكبار ويبحثوا عن الشهرة والإعلام، خاصة في رمضان (شهر التبرعات السنوي)، ظنًّا منهم أن هذا يطوِّر عملهم في الخير، ويفتح لهم أبوابًا جديدة، لأن تضخُّم عملهم سيضعُهُم مع الوقت تحت طائلة القانون، وسيدمِّر مشروعاتهم البسيطة القائمة على التواصل الشخصي المباشر مع أصحاب الحاجات، وهي خدمة رائعة تلبِّي حاجةً حقيقةً في المجتمع، ندعو الله لهم بأن تستمر أبوابهم مفتوحة طالما بقيت في الإطار المسموح به.
وكلّ عام وأنتم بخير.

*نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 23 مايو 2018

الأربعاء، 9 مايو 2018

الفتوحات الآسيوية.. هل وصلت الرسالة؟



رسائلُ مهمَّة ومتعدِّدة ضمنَ ثمار الجولة التاريخية المهمة التي قام بها شَيخُ الأزهر، والتي زار خلالَها ثلاثًا من أكبرِ الدُّوَل الإسلامية وهي: إندونيسيا، وسنغافورة، وبروناي. وتأتي هذه الجولة الآسيوية تأكيدًا على حِرْص الأزهر الشريف على تفعيل دَوْرِه العالميِّ في إرساءِ وترسيخِ دعائمِ السلام والتعايُشِ المشترك بين الشُّعُوبِ والمجتمعات المختلفة، في مواجهةِ الإرهاب والتطرُّفِ الذي يُحاوِلُ استخدامَ الدينِ للتشويش على عقول الناس وتضليل الشباب من خلال المفاهيم المغلوطةِ التي تُنشَرُ باسم الدين.
وتجلَّتْ رسائل الزيارة خلالَ لقاءاتِ الإمام الطيِّب المتعددة مع كبار المسئولينَ في الدول الثلاث، وعبَّرَتْ عنها كلماتُ شيخ الأزهر المؤثِّرة والهادفة في كل دولة من دول الزيارة الثلاثِ، التي مَثَّلَتْ في مجموعها رسالةً متكاملة وهدفًا واضحًا لهذهِ الجولةِ المباركةِ، التي أظنُّها «فَتْحًا مُبِينًا»، إن شاء الله.
ففي العاصمة الإندونيسية جاكرتا، وفي خطبَتِهِ التي ألقاها في افتتاح المؤتمر العالمي حول الوسطيةِ في الإسلام، وَسْطَ جمعٍ غفير من عُلَماء المسلمين، وفى حضرة الرئيس الإندونيسى جوكو ويدودو، قال الإمام الأكبر: «إن الموضوعَ الذي أَشْرُفُ بالحديثِ فيه اليوم هو موضوعٌ بالغُ الخَطَرِ والأهميَّة، رُغم ما حفل به من أبحاثٍ ودراسات لا تكاد تُحصى، ورُغم ما طرقته الأقلام في الكتب والصُّحف والمجلَّات والمؤتمرات، حتى بدا وكأنه لم يَعُد يَقْبَل مزيدًا من البَحْثِ أو النَّظَرِ من كَثرةِ ما قِيلَ فيه وكُتِبَ عنه.. هذا الموضوع، القديم الجديد المُتجَدِّد هو (الوسطيَّة) التي تَرِد دائمًا مقرونة بالإسلام، إضافةً أو وصفًا، فيُقال: (وسطية الإسلام) كما يُقال إنَّه (دين الوسـطية). ومن المعلوم لدى المسلمين جميعا، أن الله تعالى وصف هذه الأمة بأنها أُمَّة وسط». وأوضح فضيلته في موضع آخر من محاضرته قائلاً: «إن منهج التعليم الأزهري منهج يمثِّل وسطية الإسلام التي قلنا إنها أخَصُّ وَصفٍ لهذا الدين القيم، والفهم المعتدل لنصوص الكتاب والسُّنَّة، ويرسِّخ في ذهن الطالب الأزهري منذ نعومة أظفاره ثقافةَ الحوار وشرعيةَ الاختلاف، مما يحول بينه وبين نزعة الغلوِّ والتعصبِ وانغلاق الفكر وجموده على رأى واحدٍ، ويُدرِّبُه على احترام الرأى الآخر، ويعَلِّمُه الفرق بين احترام المذهب واعتقادِه».
وفي احتفال المجلس الإسلامي السنغافوري بمرور 50 عامًا على تأسيسه، استهلَّ شيخنا الجليل كلمته التي ألقاها قائلاً: «أوَدُّ أن أُوضِّحَ في بداية محاضرتي أن زيارتي لسنغافورة ليس المقصودُ بها زيارة المسلمين فقط؛ بل هي زيارةٌ لشعبِ سنغافورة (مسلمين وغير مسلمين)، من أجلِ تدعيمِ وَحدَتِهم العظيمة، وعَيشِهم المشتَرَكِ، وتقديمهم نموذَجًا رائعًا للأخوَّة في الوَطَن وفي الإنسانيَّةِ، والعملِ يدًا واحدةً من أجلِ مُجتمَعٍ راقٍ مُتقدِّمٍ وقويٍّ». وأضاف الإمام الأكبر: «جِئْتُ لأحيِّي هذا النّموذَج الذي ضرَب أحسنَ الأمثلةِ في تحقيقِ السَّلامِ المجتمعي بين أفرادِ الشَّعب، وبينه وبين الشُّعوبِ المجاوِرَة، وأسألُ الله تعالى أن يُديم على هذا البلد أَمنَها وسلامتَها، وأن يَمُنَّ على البلادِ أجمع نِعمةَ الأمن والسَّلام».
أما في بروناي، فقد ألقى رئيس مجلس حكماء المسلمين، الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر محاضرةً بمركز المؤتمرات الدولي بالسلطنة، بعنوان «تحديات الأمة الإسلامية في مواجهة الإرهاب»، حضَرَها سلطان بروناي وجميع وزراء الحكومة ونوابهم، إضافة لحشد من كبار المسئولين، وممثلين عن جميعِ الوزارات والهيئات وطُلَّاب الجامعات، ومما ذكره شيخ الأزهر في كلمته عن تعريف الإرهاب، أنّ «الإرهاب ظاهرةٌ شديدة التَّعقيدِ والغموض إذا ما رُحت تحاوِلُ التَّعرُّف على أسبابها الحقيقيَّةِ، أو تحاول البحثَ عن حلٍّ لهذا التناقض الشَّديد بين أسباب هذه الظاهرة ونتائجها». وختم رؤيته في علاج الظاهرة موضحاً: «علينا ونحن نتصدى لتحديات الإرهاب أن نَلتفِتَ جَيِّدًا إلى مناهج التعليم في بلاد المسلمين، وبخاصةٍ في مراحله الابتدائيَّةِ والإعداديَّة، وأن نُقدِّم الإسلامَ للنَّاشئة كما أنزله الله تعالى وبلَّغه رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا الإسلام الذي مَكَّن أتباعه من إضاءة العالَم وتمدينه وترقيتِه وتحضيرِه».
إن حُسن الاستقبالِ وكَرَم الضِّيافةِ والحفاوةِ التي حظي بها فضيلةُ الإمامِ الأكبرِ شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب والوفد المرافق له، خلال جولته الآسيوية، تعكس بشكل واضح قيمةَ الأزهر وشيخه الجليل، وتؤكِّد على قوة مصر الناعمة، وتُظهِر ملمحًا بديعًا من ملامح عظمة وَطَنِنا الغالي، وتجدِّد الثقة في أن الأزهر الشريف سيبقى أمل الأمة الإسلامية وقلعتها الحصينة لحماية الفكر الإسلامي.
* (كلمة «الفتح» وجمعها «الفتوحات» تعني في مقالي «النصر والإنجاز الباهر الذي يفضي إلى تقدُّم أكبر»، وهذا مما جاء في معنى الكلمة بمعجم المعاني، والله أعلم).


*نشر في جريدة «صوت الأزهر» بتاريخ 9 مايو 2018

الجمعة، 27 أبريل 2018

من يصطاد «الحوت الأزرق»؟



تتوالى حالات الانتحار في مصر بشكل يثير القلق، والدافع وراءها جميعًا هو «حوت أزرق» قَفَز فجأةً إلى شِباك الأطفال (والشباب) الإلكترونية، وغزا فضاءهم الخاص، وهيمن على عالمهم الجديد، فظنّوا (بسذاجتهم) أنه صيدهم الثمين، لكن خلال أيام قليلة يكونون هم الفريسة المنتظرة، وينجح هذا التطبيق الإلكتروني في أن يسلبهم عقولهم ويتحكم في مقدراتهم، ويدفعهم بدهاء مرعب إلى النهاية المفجِعة.
فقبلَ أيامٍ لقِيَتْ سيدة صعيدية ونجلُها مصرعهما، وأُصِيبَ نجلُها الثالث بحروقٍ متفرقة بدائرة مركز البلينا (محافظة سوهاج)، وقالت التحقيقات الأولية إن نجلتها أشعلَتْ النار في المنزل تنفيذًا لتعليمات لعبة «الحوت الأزرق»، كما شهدت مصر 6 حالات انتحار بسبب اللعبة ذاتها، خلال شهر أبريل فقط، كانت الأولى لنجل البرلماني السابق حمدي الفخراني، تبِعَتها حالة لفتاة في الإسكندرية، والثالثة لشابٍّ من الشرقية، أما الرابعة فكانت لشاب من السويس، والخامسة لطفلٍ في المحلَّة بالغربية، والسادسة لطفل في البحيرة.
وأسرَعَتْ الدولة في التحرُّكِ لمواجهة هذه اللُّعبة المرعبة التي تهدِّد كلَّ أسرة مصرية، وأتفق مع ما قاله وكيل الأزهر الشريف، الدكتور عباس شومان، من أن حمايةَ الشباب من الاستهداف الممنهَجِ والخبيث للإضرار بهم وبمستقبلهم لا يقلُّ أهميةً عن جُهُودِ الدولة للتصدِّي للإرهاب.
واستبشَرَ الجميعُ الخيرَ، بعد قرارِ النائبِ العامِّ المصريِّ الذي أصدره السبت الماضي، بتكليفِ الجهازِ القومي لتنظيم الاتصالات باتخاذ ما يلزم من إجراءات لحجب المواقع التي تبثُّ الألعاب الالكترونية على شبكة الانترنت ومنها ما يسمى «الحوت الأزرق»، مشيرًا إلى أن ذلك يُعتبر «أمرًا متعلِّقًا بالأمن القومي والمصالح العليا للبلاد».
وفي وقت سابق من هذا الشهر، حرَّمَتْ دار الإفتاء المصرية ممارسةَ لُعبة «الحوت الأزرق» التي يقوم الشباب بتحميلها على هواتفهم الذكية، لما فيها من «إيذاء للنفس والإضرار بها»، كما أعلن مجَمَّع البحوث الإسلامية عن تنظيم حملة موسعة في جميع محافظات ومدن الجمهورية للتحذير من خطورتها.
ولعبة «بلو ويل» أي (الحوت الأزرق)، تدفع المراهقين إلى مواجهة مجموعة تحديات خطيرة على مدى خمسين يومًا، وفي كلِّ مرَّةٍ يكون التحدي أخطر مما سبَقَه، حتى يصلوا إلى المرحلة النهائية المتمثِّلَةِ بالانتحار، ولا تنحصر الانتقادات الموجهة إلى اللعبة في مصر، بل تتعداها إلى دُوَلٍ عِدَّة للاشتباه في تسببها بحالات انتحار كثيرة في صفوف مراهقين، ومن ضمنها بلدان عربية مثل تونس والمغرب والجزائر.
وفي سياق المواجهة المجتمعية الواعية، قَدَّم مركز الأزهر للفتوى الإلكترونية مطلع هذا الشهر 11 نصيحة للوقاية من الوقوع في هذا المنزلق الخطير، ونعيد نشرها للتذكير لعلها تكون مرشدة وملهمة.. وهي:
1- متابعة الطفل (أو الشاب) بصفَةٍ مستمرَّةٍ وعلى مدار الساعة.
2- مراقبة تطبيقات الهاتف بالنسبة للأبناء، وعدم ترك الهواتف بين أيديهم لفترات طويلة.
3- شغل أوقات فراغ الأطفال (الشباب) بما ينفعُهُمْ من تحصيل العلوم النافعة والأنشطة الرياضية المختلفة.
4- التأكيد على أهمية الوقت بالنسبة للطفل (الشاب).
5- مشاركة الابن (الابنة) في جميع جوانب حياتِهِ مع توجيه النصح وتقديم القدوة الصالحة له.
6- تنمية مهارات الابن (الابنة)، وتوظيف هذه المهارات فيما ينفعه والاستفادة من إبداعاته.
7- التشجيع الدائم للطفل (الشاب) على ما يُقدِّمه من أعمال إيجابية ولو كانت بسيطة من وجهة نظر الآباء.
8- منح الأبناء مساحة لتحقيق الذات وتعزيز القدرات وكسب الثقة.
9- تدريب الأبناء على تحديد أهدافِهِمْ، واختيار الأفضل لرَسْمِ مستقبَلِهِمْ، والحثّ على المشاركة الفعالة والواقعية في محيط الأسرة والمجتمع.
10- تخيُّر الرفقة الصالحة للأبناء ومتابعتهم في الدراسة من خلال التواصل المستمر مع المعلمين وإدارة المدرسة. 
11- تنبيه الطفل (الشاب) على حُرمة استخدام آلاتٍ حادَّة تصيبه بأيِّ ضرر جسدي، وصونه عن كل ما يؤذيه؛ وذلك لقول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ...» صحيح البخاري.
وظنِّي، أن الجهود السابقة نواة صالحة لتشييد حائطِ صدٍّ مجتمعي قوي أمام هذا الخطر المحلِّق عبر الفضاء الإلكتروني، وهو مثله كمثل أخطار كثيرة قذفت بها التكنولوجيا إلى عقول البشر حول العالم خلال السنوات الأخيرة، التي لن يحميَهُمْ منها إلا كتاب الله وسُنَّة رسوله الكريم، فهما مصلُ الوقاية من أي حوت، سواء كان أزرق أو أحمر أو حتى «رينبو».
حفظكم الله من كل شر.

*نشر في صحيفة «صوت الأزهر» بتاريخ 25إبريل 2018


التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...