الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

قصة هو وهي .. الأصلية

في يوليو من عام 1998، كتبت حوارا دراميا بعنوان "هو وهي" في 6 صفحات من قطع الـ A4، تدور فكرته حول حبيبين فرقتهما الحياة سنوات ثم جمعهما الحب من جديد، في لقاء استثنائي، والحوار يسجل تفاصيل هذا اللقاء في بيت الحبيب (هو)، ويحاول أن يحكي مشاعرهما في هذه اللحظة المرتبكة.
كنت وقتها مولعا بفن المسرح.. شاردا في كواليسه.. وأتذكر أني خططت في هذه الفترة لأكثر من مشروع مسرحي، وشاء القدر أن يكتمل أهمها وأقربها إلي قلبي في نفس العام وهو مسرحية (مصر.. ليل/خارجي) التي حصلت على الجائزة الأولى في مهرجان الجامعة للمسرح بعد أن أخرجها لفريق مسرح كلية الإعلام بجامعة القاهرة المخرج الفنان والصديق العزيز عمر الشيخ، في لقاءنا المسرحي الثاني، فقد وسبق وشاركت معه ممثلا في أول تجاربه المسرحية (أنا والكلاب والحرية) لنفس الفريق المسرحي.
وقبل أيام، وفي رحلة بحث شاقة عن بعض أوراقي القديمة، وجدت الأوراق الست (حوار هو وهي)، والتي حملت لي ذكرى جميلة ونصا مثيرا قرأته مرة ومرات، وكأني أعيد اكتشاف ذاتي من خلاله، كيف كنت أفكر؟، وكيف كانت مشاعري قبل أكثر من 17 عام؟
فكرت أن أعيد نشر النص الأصلي ربما يشاركني بعض رفقاء جيلي، وأصدقائي، وقرائي، متعة الإبحار في الماضي، وقبل أن أصل إلى قرار، قفزت في رأسي الفكرة، ماذا لو فكرت أن اكرر نفس التجربة في أكتوبر 2015؟، كيف سيكون اللقاء، وماذا سيدور في الحوار.
وتحولت الفكرة المجنونة إلى نص جديد كتبته ونشرته على 5 أجزاء بعنوان (هو وهي) عبر حسابي على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت تساؤل وفضول بعض المتابعين، ولأنه كان محوكما بمحاكاة النص الأصلي في إطار المنافسة، حاولت أن يكون بسيطا وعفويا وصادقا.
كنت أتمنى أن أمتلك جرأة نشر النص القديم، لكي أترك الحكم لكم، لكن ولأسباب رقابية، لن استطيع نشره كاملا، لكن هناك بعض العبارات (المقتطعة) من النص القديم تصلح أن أشارككم فيها، لعل الإحساس القديم يكون حاضرا عند المقارنة.

- كنت مبهور بكل تفصيلة في جسمك
- كانت أنوثتي بتترجى شفايفك
- قلبي من بعدك.. كنت شايله هناك في قفص العصافير.. حابسه
- تفتكر لما نعيش نفس التفاصيل.. نقدر نرجع نفس المشاعر
- عرفت كام واحدة بعد ما سبنا بعض؟
-  كان أسعد شيء في القصيدة.. أنك تسمعيها
- هو مفيش سبب ممكن يخلي واحدة تسيب اللي بتحبه.. إلا إذا كان فيه واحد تاني
- طول الوقت مش فاهماني
- كنت حاسة أن جواك جزء مشوه عن المرأة
- هو مين فينا اللي رفض التاني؟
- أنت ليه ما حاولتش.. كنت دايما بترجع تصالحني
- المرأة بتنسى .. أسرع


وما بين الحوارين ومنافستي لنفسي وأمسي، حاولت أن أجيب عن أسئلة كثيرة، أراها في قلوب كل العاشقين من حولي، ونشعر جميعا بأن الإجابات عنها لازالت تبحث عن حب. 

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

هل أصبح مقدساً أن تبوح بما في عقلك ؟



كيف نحيا وسط دوامات الكذب؟
كيف ندرك الحقيقة ونكمل الطريق؟
- - - - - - - - - - - - - - -
بلغ الشك مداه، في كل أمر يحاول أن يتخذ فيه قرارا، طاردته "فوبيا" الكذب، البائع يكذب ليبيع بضاعته الفاسدة، والموظف يزور كي يمنحه شهادة كاذبة، والزوجة تجمل كي تستمر الحياة، والأبناء يخادعونه كي ينفذوا خططهم، والعالم من حوله محاط بفضاء محكم من الأكاذيب من السياسة إلى الصحة ومن الرياضة إلى "البزنس"، فضاء إعلامي خبره وعرفه بحكم المهنة وأصبح يدرك أن الجميع يعمل وفق أجندة معدة مسبقا، ومن كثرة الأجندات" أصبح -هو نفسه- لا يعرف لأي "أجندة" ينتمي، فهو أيضا يمارس الكذب المنتظم كي يعيش ويكمل طريقه، حتى شعر بان الطريق قد تعب منه، وقرر أن ينقطع فجأة.
قبل أن يكتب فكر .. هل ينشر؟
وقبل أن يقرر .. تذكر أنه لا أحد يقرأ إلا وفق أجندته، هذا لو قرأ ولم يكتف بعنوان أو كلمة يأخذ منها انطباعا -في الغالب مغلوط- ثم يكمل منها رحلته الشخصية مع الكذب ويحلل كلامك بما يهواه، ويفند قصتك كما يريد أن يسمعها، ليرسم عنك صورة حقيرة، يتحول بعدها ما كتبته إلى دليل إدانة على جريمة لم تشاهدها، وربما لم تحدث أصلا.
وقبل أن يبدأ .. قرر ألا يكمل.. قرر أن ألا يكتب شيء.. ويكتفي بالصمت.
قرر ألا يتورط في كذبة جديدة يصنعها هو أو تصنع من خلاله..
قرر أن يصمت إلى حين..
لا يكتب..
لا يتكلم..
لا يغني..
لا يرقص..
لا يصلي..
لا يتذكر..
لا ينسى..
لا يحب..
لا يكره..
لا يخرج..
لا يدخل..
وجلس وحيدا في الصحراء..
وتمضي الأيام..
بطيئة..
ثقيلة..
مملة..
وهو مكانه.. على ثباته.. ومبدأه..
لا يتراجع.. ولا يستسلم..
حتى فاجأته ذات صباح.. قبلة من حسناء أوربية.. قطعت الآف الأميال لتراه.
شعر بأن هذه الـ"بوسة" الخيالية.. هي جائزته الخاصة التي حصل عليها لرفضه أن يتورط في هذا العالم، ويصبح جزء من كذبته الكبيرة.

الاثنين، 11 مايو 2015

كلنا مش ولاد نعيمة «ألمظية»..

تعليقي على فيلم «ابن الزبال»


لا أخفيكم سرا أني متعاطف مع وزير العدل المصري المستقيل بسبب «زلة لسانه» التي قضى المصريون يومهم يلوكونها ويلوكون سيرته وقضية الطبقية ورفض العنصرية، وما إلى ذلك من شعارات براقة لا يعي ولا يفهم مُطلِقوها أدنى حد عن معناها.
ولو أمعن الثائرون النظر قليلاً لاكتشفوا «مسخرة» الموقف، لقد رحل وزير لأنه قال الحقيقة عارية أمام الشعب، خرج «مُقالاً» تحت ستار «الاستقالة» لأنه واجه المجتمع بحقيقة تحدث أمامه بشكل يومي دون أن يثور أو حتى يرفض أو يستفزه الأمر كي يفكر ويبحث في سبب حدوثها. الحقيقة يا سادة هي أن «ابن الزبال» لن يدخل الجيش أو الشرطة أو القضاء أو الخارجية أو أي جهة سيادية، ليس فقط لأنه موصوم بمهنة أبيه، ولكن لأنه ومثله كل فقراء هذا الوطن سقطوا من حسابات الدولة والمجتمع، فتحولوا عبر سنوات العهد البائد (نهايات عصر السادات ومعظم عهد مبارك) إلى عشوائيين تعليما وخلقا وقدراتٍ، إلا قلائل شذّوا وانحرفوا عن هذا المسار العشوائي واجتهدوا وتمردوا على مصيرهم وتعلموا وتثقفوا وتخلصوا من عشوائيتهم، وحاول بعضهم النفاذ من ثقب إبرة إلى مجتمع الصفوة المهنية، لكن صدمه الرفض المجتمعي الصارم، ولعل قصة انتحار الشاب خريج السياسة والاقتصاد بعد رفض طلبه الالتحاق بالعمل في السلك الدبلوماسي قبل سنوات لا تزال ماثلة أمامنا وشاهدة على تعامل المجتمع مع أولاد الفقراء.
المشكلة أن بعضنا لا تزال تطارده الصورة الرومانسية التي رسمها أديبنا الكبير توفيق الحكيم في مسرحيته الرائعة «الأيدي الناعمة»، التي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير قام ببطولته فارسا السينما أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار، وكتب له السيناريو والحوار يوسف جوهر وأخرجه محمود ذو الفقار سنة 1963، والمشهد الشهير لبائع «البسبوسة» وابنه الذي التحق بالعمل في الخارجية وجاء ليأخذ منه مصروفه، بينما البرنس والدكتور يتسوّلان قطعتَي بسبوسة من أبيه في مقابل نياشين مَلَكية حصل عليها البرنس في عهد المَلَكية.
هذه الصورة التي تطورت وتجرأت أكثر بعد عشر سنوات وتحديدا سنة 1972، على يد عمّنا صلاح جاهين في رائعته «خلّي بالك من زوزو»، التي جسدت بطولتها السندريلا سعاد حسني وأخرجها للسينما حسن الإمام، وتحكي قصة طالبة جامعية تحاول التمرد على تاريخ أسرتها وتحديدا أمها «نعيمة» أشهر راقصات شارع محمد علي، بينما المجتمع يطاردها بهذا التاريخ وبعار أمها، حتى تنجح في نهاية الفيلم في أن تفرض على المجتمع وجودها وتواجه حبيبها المخرج المسرحي في مدرّج جامعي بجملتها الشهيرة «كلنا ولاد نعيمة ألمظية»، بما تحمله الجملة من رمزية وإسقاط معنى «ألمظية» على مصر.
وابن بائع «البسبوسة» وبنت نعيمة «ألمظية» نماذج خيالية اندثرت مع طوفان المادة وأخلاقيات السوق وصرعات الانفتاح الاقتصادي، التي قوّضت الأخلاق والمبادئ والقيم، وفرضت شروط السوق ومبادئه فأصبح كل شيء قابلا للبيع، ما دام يوجد من يريد الشراء ويملك الثمن.

جهل الحكام وضحالة فكرهم وثقافتهم، دفعهم إلى التطوير والتغيير دون تحصين المجتمع وحماية طبقاته من الانهيار، ولم يكتفوا بذلك، بل إنهم منحوا قراصنة الدين الفرصة كاملة ليختطفوا الفقراء إلى عوالمهم، وهو ما أوصلنا إلى «داعش» وأخواتها، «طاعون» هذا الزمان، ليكون ذلك هو النتيجة الحتمية لمقولة وزير العدل المصري، التي هي صادقة وحقيقية للأسف، وهي أنه ليس من حق الفقير أن يحلم، فابن الزبال «اللي بيشيل زبالتنا»، مش من حقه يكون «بيه».


الجمعة، 2 يناير 2015

«بابا نويل» يرقص «المولوية»

في «كريسماس» صوفي


أسعدني لقاء «بابا نويل» مع شمس التبريزي ليستقبلا معا العام الجديد ويتراقصا على أشعار مولانا جلال الدين الرومي في ساحة المسرح المكشوف بدار الأوبرا المصرية، وسط العاصمة القاهرة، التي تألقت واستعدت على طريقتها لاستقبال 2015 بمشاعرها الخاصة وملامحها المتناقضة، حيث تباينت «سهرة الكريسماس» من فنادق مطلة على النيل يحييها ألمع النجوم العرب، مع حفلات أخرى تليفزيونية يقضيها البسطاء والفقراء و«البردانين» في «جزيرة القطن»؛ المصطلح الأكثر استخداما في مصر لوصف «فراش النوم» أو «السرير»، في كلمة تجمع بين الحلم والسخرية المرّة.
قررت سيدة الأوبرا الدكتورة إيناس عبد الدايم، عازفة الفلوت الشهيرة، أن تسعد قلوب «العاشقين» في ليلة رأس السنة بحفل لفرقة المولوية المصرية، التي يتقدمها المنشد المعروف عامر التوني، ومن حوله راقصو المولوية، في مشهد بديع وفريد مع تساقط «خجول» لأمطار شتوية مفاجئة، لم تعكر مزاج المستمتعين من جمهور امتلأت به ساحة المسرح والمدرجات المحيطة به.. وردد الحضور مع المنشد المتألق قصائد المديح الشهيرة.. «زدني بفرط الحب» من أشعار ابن الفارض، و«ويا مليحا قد تجلى» للسهروردي، واختتم برائعة الحلاج «والله ما طلعت شمس ولا غربت» التي يقول بعض أبياتها:
والله ما طَلَعَت شَمسٌ وَلا غَربَتْ..إلا وَحُبُّكَ مَقرونٌ بأَنفاسي
وَلا جَلستُ إِلى قَومٍ أُحَدِّثُهُم..إِلا وَأَنتَ حَديثي بَينَ جُلاسي
وَلا ذَكَرتُكَ مَحزونا وَلا فَرِحًا.. إِلا وَأَنت بِقَلبي بَينَ وِسواسي
وَلا هَمَمتُ بِشُربِ الماءِ مِن عَطَشٍ..إِلا رَأَيتُ خَيالاً مِنكَ في الكَأسِ
إن أهم ما يلاحظ في حفلات «المولوية المصرية» الموسيقية التي ازداد الإقبال عليها بشكل كبير في العامين الأخيرين، هو الفارق الذي صنعه مؤسسها عامر التوني، بأن جعلها حالة بعيدة عن الدروشة الدينية، وحلق بها في سماء الفن والإبداع فقط.. اختياراته الغنائية من تراث الصوفية أعاد توزيعها بروح مصرية شرقية. أما على مستوى الشكل - الرقص - فهو يخلط بين الشكل التقليدي لـ«رقصة المولوية» التي صممها جلال الدين الرومي، و«رقصة التنّورة» الشعبية المصرية التي تنتمي لذات الجذور الصوفية، وينقلك الراقصون إلى حالات مختلفة من الرقص الدائري الهادئ والمتصل، منتقلين من الحزن في بادئ عرضهم، إلى الفرح والبهجة في الختام، وهو ما يتناسب بالفعل مع مشاعر الحضور المودعة لعام ثقيل بكل أحداثه والمتلهفة بفرحة إلى عام جديد، تبتهل إلى الله أن يكون سعيداً، فكانت حقا ليلة «كريسماس صوفي».
وقد تمددت «المولوية المصرية» لتقدم عروضها الأخيرة داخل وخارج مصر، ويجتهد مؤسسها التوني في طرح تزاوج فكري بين التراث المصري والعالمي لفنون الإنشاد الصوفية، وخلق حالة بصرية مبهجة تتواكب مع الإنشاد الجميل، ليتحول ما يقدمه إلى حالة تقترب من الـ«مسرحة» الكاملة. ومن المثير للإعجاب أن بعض عروض «المولوية المصرية» قدمت في أديرة قبطية، وفي صروح ثقافية مهمة؛ مثل مكتبة الإسكندرية ودار الأوبرا المصرية، وأتوقع لهذه الفرقة أن يتنامى جمهورها مستقبلا بشكل كبير إذا نجح منشدها في تطوير أدوات عرضه والتجديد في برنامج حفله الذي يغلب عليه الثبات.


السبت، 6 ديسمبر 2014

براءة «الديب».. وبائعة «المناديل»



وقفت بائعة المناديل العجوز «المتصابية» في إشارة مرور «روكسي» بحي مصر الجديدة القاهري، تحاول إقناعي بأن أشتري منها عند توقفي في طابور الانتظار «الممل» عند هذا التقاطع المروري الشهير.. لم تجد البائعة أملا في أن أشتري منها، لكنها أصرت على الحديث وأنا أتابعها «نصف شارد».. بدأت قائلة (بصوت جهوري أسمع الشارع كله): «بس سيبك أنت يا بيه» (تقصدني طبعا فقد كنت في قمة أناقتي)، وأكملت: «إحنا أكلناهم على قفاهم مرتين».. هما مين «يا ست؟»، قلتها في «سرِّي»، وقبل أن أنطقها كانت الإجابة تتدفق منها بالصوت الجهوري نفسه، وقد صاحبته هذه المرة إشارات معبرة من يدها: «إخوان مرسي الله يلعنهم.. »، ثم أكملت: «الأولانية لما جبنا السيسي، والتانية بقى لما خرّجنا مبارك براءة». وبدأت السيدة تتراقص فرحة بحصول مبارك والعادلي على البراءة، وقد استطردت لتحكي فضائل وزير الداخلية الأسبق والأشهر في تاريخ مصر المعاصر السيد حبيب العادلي.
كنت في اللحظة التي اقتحمتني فيها «بائعة المناديل»، أستمتع بدخان سجائري على طريقة المحامي الشهير فريد الديب، الذي حصل قبل أيام على البراءة التاريخية للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.. و«براءة الديب» غير كل البراءات، فهي ليست براءة قضائية بريئة، بل هي «براءة اختراع» جديدة لـ«الحقيقة».
لقد كتب القاضي الجليل المستشار الرشيدي صباح يوم السبت 29 نوفمبر الورقة الأهم في ملف المحاكمة التاريخية التي لقبت بـ«محاكمة القرن»، والتي اتهمت عصر مبارك بالفساد، لكن عشاق «براءة الديب» لم يقرأوا الورقة ولم يتدارسوها، اكتفوا فقط بالعنوان دون الدخول في التفاصيل، ربما لظنهم أن «الشيطان يكمن في التفاصيل»، فخشوا على أنفسهم من الالتباس، وإرهاق الذهن في أمور إن وضحت لهم ربما تسيئهم، ونسي هؤلاء أن الحق أبدا لا يموت.
لا يخفى على عاقل في مصر، أن هناك حالة مجنونة من تزييف الوعي وتجريفه تجري على قدم وساق، يسهم الإعلام فيها بشكل أساسي، ومن أبرز منتجاتها هذه السيدة.. «بائعة المناديل»، وغيرها من بسطاء هذا الوطن المغلوب على أمره، الذي رأى بأم عينيه زهرة شبابه يخرجون ثائرين في يناير 2011 رافضين حكما «فاسدا» استمر قرابة الثلاثين عاما، ورأوا كيف اصطادت رصاصات الغدر بعض هؤلاء الشباب. وكان الأحرى بأصحاب الفرح أن يخجلوا من أنفسهم، لأن لهم إخوة «حزانى» ويعتصر الألم قلوبهم على فقدانهم أبناءهم، وتجدد حزنهم بعد براءة من كانوا يظنون أنهم قتلة فلذات أكبادهم. هذا ما تفعله أي أسرة مصرية وعربية عندما تجهز لإقامة فرح ولهم جار أو قريب يعيش في أحزان تخصه.. في الأغلب تخفف الأسرة الفرِحة من مظاهر فرحها، وربما تؤجله حرصا على مشاعر الآخر الحزين.. فما بالنا وأن الفرحين بـ«براءة الديب» أقاموا أفراحهم على براءة إجرائية «جنائية»، وهي براءة لا تفرح، لأن الجريمة «سياسية» بالأساس، وكانت خطيئة كبيرة أن تتم محاكمة مبارك جنائيا، فهو أمر لا يليق بمصر ولا بأي من حكامها أيّا كان تقييمنا لهم ولعصورهم، بما في ذلك محمد مرسي المرشح هو الآخر لبراءة مشابهة على طريقة «الديب»، وهي نبوءة لعله يكون لي فيها السبق، ولندع الأيام تؤكدها.
اخضرت الإشارة أخيرا، وهممت أن أتحرك بسيارتي بعد أن يئست من طول الانتظار، ولمحت «بائعة المناديل» العجوز تتحرك بخفة «المخبرين» بين السيارات، وتردد ما كانت تقوله لي بالصوت الجهوري نفسه، وتختم كلامها قائلة: «والله يا بيه.. العادلي ده كان سكرة.. الله يرحم أيامه»..
ظل صدى صوتها يتردد في وجداني لساعات جلستها خلف عجلة القيادة في سيارتي بين شوارع القاهرة التي عادت لها «هستريا» الازدحام الرهيب، بفعل شائعات التظاهر التي تجددت كنتيجة حتمية لـ «براءة الديب» .
وفوجئت بنفسي أردد يائسا..
ودون أي مقاومة أو ممانعة..
فعلا .. الله .. يرحم أيامه !!

وألقيت بـ « علبة المناديل» كلها من نافذة السيارة ..

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

صاحبة السعادة.. وصاحبة الجلالة

صحافة لقيطة = شعب عبيط


الست «إسعاد»، التي وهبها الله سحر اسمها. فكانت، ومنذ أن تخطت عتبات الإبداع الأولى، مصدر بهجة وسعادة لكل من يتعاطى مع فنها. أمتعتنا مسرحا وسينما وتلفزيونا، عندما ظهرت كممثلة، وتمكنت ببراعة من أن تضحكنا حتى «استلقينا على قفانا» وهي كاتبة ساخرة متألقة للدراما أو للمقالات في الصحف والمجلات، كما كانت متألقة أيضا كمذيعة رصينة في التسعينات على شبكة «أوربت» الفضائية، قبل أن يختطفها دور «المنتج» الجاد الذي جسدته لسنوات من خلال شركة إنتاج سينمائي مشهورة قدمت الكثير من الأعمال المهمة في تاريخ السينما، وأثارت الكثير من الجدل حول احتكار هذه الصناعة المؤثرة والهامة، وهو جدل فقاعي أثبتت الأيام أنه كان صراعا مفتعلا بين ديناصورات سوق السينما ومفسدي هذا الفن العظيم.
واختفت «الست» سنوات عن بؤرة الضوء، «ولبدت في الدرة» تراقب، خاصة في سنوات ما سمي «الربيع العربي». وفجأة، ودون سابق إنذار، طلت علينا عبر قناة «cbc» في ثوبها الأصيل، ومارست رسالتها الأساسية. عادت لتسعدنا وتبهجنا كل أسبوع في برنامج «صاحبة السعادة»، الذي انطلق مرتبكا مثقلا برغبات وطموحات ضخمة، ولكنه كان على ما يبدو ارتباك الصعود إلى القمة، التي وصلتها إسعاد يونس وبرنامجها وتمسكت بها حتى الآن.
الست إسعاد وفرقتها من كتيبة المبدعين، بقيادة المايسترو محمد مراد، يعزفان علينا أسبوعيا لحنا متفردا يقدم وجها جديدا للصحافة التلفزيونية بمفهومها الراقي وعلى طريقة «السهل الممتنع»، حقا اللحن من مقام «نوستالجي» يلعب على «تيمة»  الحنين للماضي، لكن ما فطن له أصحاب البرنامج الشهير «صاحبة السعادة» وجعل لهم سحرا خاصا هو قدرة خلطتهم التلفزيونية على منح المشاهد قدرا من الطاقة الإيجابية «تسري تحت الجلد» بحسب تعبير إسعاد في إحدى حلقاتها الأخيرة، هذه الطاقة هي أسمى ما يحلم به صاحب رسالة حقيقي، وهي غاية كل متلقٍ كما علمنا أساتذة الإعلام الكبار.

أعلم أن شهادتي مجروحة في البرنامج، لأن مخرجه المتميز محمد مراد هو صديق عمري ورفيق رحلة كفاح إبداعي في مسرح كلية الإعلام قبل أكثر من 18 عاما، وهو ما جعلني أتأخر كثيرا في الكتابة عن هذا البرنامج الأفضل مصريا لهذا العام، لكن متابعتي المتقطعة لعدد كبير من حلقاته الناجحة والكاسحة، وكذلك ردود الفعل الجماهيرية المستمتعة والمشيدة والسعيدة بهذا البرنامج، رفعت عني الحرج وجعلتني أفكر فيه كنموذج جاد ومحترم للصحافة المرئية التي يحتاجها الوطن في هذه اللحظة المظلمة التي يتدافع فيها إعلاميو مصر في «الولولة» و«اللطم» و«الندب» وبث روح الاكتئاب في نفوس المصريين، وسحب كل طاقاتهم، وهو ما أسهم في هروب المشاهدين من معظم البرامج التي كانت في أوقات سابقة محل انبهار ومتابعة مميزة وعلى رأسها برامج «التوك شو» اليومية التي ظلت هي الأكثر متابعة طوال السنوات الثلاث الماضية.
مدينةٌ صاحبة الجلالة، الصحافة، بكل فروعها، مكتوبة ومرئية ومسموعة وإلكترونية، للست إسعاد وفرقتها بالكثير؛ فقد قدمت درسا مهنيا غاية في الأهمية، ربما لم تقصده، وهذا عظيم. وربما كان في بالها هي وفرقتها، وهذا أعظم. وملخص الدرس بعيدا عن «الأكليشيهات» الأكاديمية: إن الأوطان في أوقات الأزمات والحروب، تحتاج إلى إعلام يجمع الشمل، يبحث عن مشتركات بين أبنائه ويعيد تسليط الضوء عليها، يتجنب مناطق الخلاف ويبتعد عن التشويه أو رصد العيوب، إعلام يبث روح التفاؤل والبهجة الهادفة في نفوس مواطنيه الحائرة.. المتوترة.. الخائفة، إعلام صادق.. بسيط.. طيب، يهدهد المشاعر، يحدثك بهدوء وعقلانية، يستنهض روحك الإيجابية، يعيدك إلى جذورك الوطنية دون صخب أو افتعال.
لعلهم يفهمون.


نشر المقال في «جورنال مصر» العدد الثالث - 16 نوفمبر 2014





الأحد، 16 نوفمبر 2014

«عنتيل» مصر.. و«عنتريات» العرب


«أعشق الخوخ المثلج.. لأنه يذكّرني بشفتيها اللتين قضمتهما يوم أن منحتني شرف تقبيلها لأول مرة.. لن أذكر اسمها، فهي تتذكرني جيدا.. مثل كل بنات أفكاري اللاتي حللن ضيوفًا على قلبي ذات ليلة.. وإن كانت هي تتمتع بلقب الأولى في كل شيء، لكنها أبدا لم تكن الأخيرة».
قفزت أمامي فجأة «قصاصة ورقية» كنت قد كتبتها في مراهقتي - عدّيها مراهقتي - تأثرا بمقطع من قصيدة «عشرين ألف امرأة أحببت» لفارس الشعر العربي نزار قباني: «عشرين ألف امرأة أحببت / عشرين ألف امرأة جرّبت / وعندما التقيت فيك يا حبيبتي / شعرت أني الآن قد بدأت». كان رقم الـ20000 امرأة مستفزا جدا لشاب مثلي يبحث عن نصف امرأة تبادله العشق حتى لو في أحلامه، قهرني نزار بعدد نسائه، فقررت أن أسابقه حتى لو في خيالي ومع بنات أفكاري - تمشي أفكاري برضه - ومنحت كلا منهن رقما، وتحدّيت العمر كي لا أموت قبل أن أتفوّق على نزار.
لكني الحمد لله تزوجت، ونضجت وتفهمت أن عنتريات الشعر محض خيال، لكن للتاريخ لم أنسَ قَطّ طعم الخوخ المثلج - ثمرة الفاكهة الأكثر قربا إلى قلبي وعقلي وروحي.
وبعد الزواج، تاهت مني الدنيا وتهت في دروب كثيرة، تلقفني قصيدة لأخرى، وشاعر لشعراء، وكتاب لمفكرين وأدباء، ومن المرأة للوطن، ومن الشعر للرواية، للصحافة، والسياسة، والدين، وفي كل درب كانت تتردد نفس «العنتريات»، التي اتضح لي أنها صفة أصيلة عميقة الجذور في شخصيتنا العربية، تجذبنا فنرددها وتصادف هوانا فنصدّقها، مثلنا مثل أطفالنا الذين يتسابقون على متابعة شخصياتهم المحببة الـ«Heros». فهذا زعيم سياسي يشبه «Ben 10 ultimate alien»، وهذه جماعة دينية مثل «Ninja Turtles»، وأرجو أن لا تحرجني مستفسرا عن اسم الزعيم أو الجماعة، فهذه عنترية لا تُحمد عقباها.
أفضّل أن ندَع السياسة «وبلاويها»، ونعود مرة أخيرة لسباقي مع نزار قباني. وللتاريخ أقول إن «عدّاد النساء» عندي توقف عند رقم «20» من غير ألف، وهذا ليس «نخعًا» أو محضَ خيال، فعندي من الدلائل ما يؤكد لمن نما إليه الشك، ربما في زماني لم تكن التكنولوجيا قد وصلت إلى مبتغاها من تطور، وربّك حليم ستّار.
إن اعترافي هذا ليس من «العنتريات» للمباهاة بإنجازاتي الذكورية - الخيالية طبعا - ولكنه مطالبة بحقي في اللقب، لقب «عنتيل مصر» الذي أستحقه عن جدارة ربما أكثر من الملتحي الذي قفز اسمه فجأة ليتصدر كل وسائل الإعلام - المحمولة والمركوبة - وأصبح ملء السمع والأبصار، بفضل «فيديوهات جنسية» تم تسريبها من جهاز كومبيوتر محمول يملكه، كان قد سلمه لفني صيانة لإصلاحه في قرية «السنطة» بمحافظة الغربية بدلتا مصر، فقام الفني بتسريب هذه الفيديوهات، مما أحدث فضيحة مدوية في القرية الصغيرة، واختطف الملتحي اللقب وسط حقد رجال كثيرين، ظنوا لسنوات أنهم «عناتيل»، لكن فاتهم أن يوثقوا بطولاتهم كي يتمكنوا من المطالبة بأحقيتهم في هذا اللقب المنعش.
ولعشاق اللغة، تقول المعاجم العربية إن مصدر كلمة «عنتيل» هو كلمة «عنتل»، ومعناها «الصُّلْب الشديد، وعَنْتَلَ الشيءَ: خَرَّقَهُ قِطَعًا»، والمعنى واضح لا يحتاج إلى تحليل أكثر. كما تنسب «عنتيل»  إلى كلمة «أنتوري» في اللغة المصرية القديمة (وفقاً للموقع الإلكتروني dotmsr.com)، وهي تعني «الرجل القوي» والتي تطورت عبر العصور إلى أن أصبحت «عنتري» أو «عنتيل».
المدهش في قصة «عنتيل السنطة» أن السبب المباشر في فضيحته هو شبهة ارتباطه بأحد التنظيمات الحزبية السلفية، وهو ما ارتفع بالقصة إلى قمة الإثارة بالخلطة الثلاثية: جنس وسياسة ودين. والغريب في القصة أنه لم يتم القبض عليه حتى كتابة هذه السطور. لست قانونيا كي أفتي في الأمر، لكني لا أفهم، رجل يعاشر نساء متزوجات ويصورهن أثناء هذه المعاشرة، وتنتشر هذه الفيديوهات المصورة بمعرفته في كل بيت في قريته، وتصل إلى السادة أزواج السيدات «الفضليات»، «المتصورات.. عاريات». كيف يبقى هذا الرجل بعد كل ذلك حرا طليقا؟
ربما يتحفز «نطع» إعلامي وتأخذه «العنترة» المهنية، ويسخر من مناقشتي لقصة «تافهة» من وجهة نظره، ويطالبني بالكتابة عن «الهجوم البحري على لنش عسكري في دمياط»، أو عن «انتحار الناشطة السياسية زينب المهدي»، لكني لن أمنحه شرف الرد عليه، سأكتفي وأسأله، وأتمنى أن يجب بشجاعة: هل شاهدت فستان هيفاء وهبي في «STAR ACADMY» ليلة الخميس «المفترجة»؟
كلمة أخيرة، استمتع بالـ«عنتلة» مع نساء أفكارك، ولا تأخذك الـ«عنترة» السياسية أو الدينية، فبهما تكتمل الدائرة وتغلق عليك، وتجد نفسك مفضوحا فضيحة الملتحي بـ«لاب توبه».

التاريخ في حضرة الشامة (1) - 19 يوليو 2014

كنا في أواخر شهر رمضان، جاي لي تليفون من شخص  كنت شايف إنه أذاني جدا، واتسبب لي في اكبر خسارة حصلت لي في حياتي..  وكنت مسخر نفسي بادعي عليه ...